ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اختصار علوم الحديث (ص/119).
(2) ليرو : وجوبا بلا خلاف .
(3) بالألفاظ : التي سمع بها بمعانيها .
(4) من : تحملها وهو .
(5) لا يعلم مدلولها : ومقاصدها إذ لو روى بالمعنى لم يؤمن من الخلل .
(6) و : اما .
(7) غيره : وهو من يعلم ذلك .
(8) فالمعظم : من أهل الحديث والفقه والأصول أجاز له الرواية .
(9) بالمعنى : ولو في الخبر أو حفظ اللفظ أو أتى بلفظ غير مرادف أو كان المعنى غامضا.
(10) وقيل : لا يجوز له ذلك في الخبر .
(11) الخبر : أي خبر النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز له في غيره وقيل غير ذلك .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح ألفية العراقي التبصرة والتذكرة (2/168ـ170).
(2) شرح النخبة (ص/105ـ106) ، وقواعد التحديث (ص/224) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح المغيث (2/245ـ246).
(2) مقدمة في أصول الحديث (ص/50).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الباعث الحثيث (ص/119ـ120).
أدلة القائلين بالجواز
لم يكن الصحابة والتابعون بدعا في رواية بعض الأحاديث بمعناها ، بل وجدوا دليل الجواز في منهج القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأذكر بعض الأدلة في ذلك :
· الدليل الأول :
قوله تعالى (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون) (البقرة /58ـ59).
· وجه الدلالة :
قال القرطبي :"استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها ، فلا يجوز تبديلها ، لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله . وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .(1)
ويقصد مع الشروط التي تقدمت في المدخل من العلم بلغة العرب وبيانها... الخ
· الدليل الثاني :
قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أنزل القرآن على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه".(2)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الجامع لأحكام القرآن (1/411) .
(2) رواه البخاري في صحيحه ـ كتاب الخصومات ـ باب كلام الخصوم بعضهم في بعض ـ(5/73) ـ حديث رقم (2419). ومسلم في صحيحه ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها ـ باب بيان ان القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه ـ (1/560) ـ حديث رقم (818).
· وجه الدلالة :
قال الإمام الشافعي :"وذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ،علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم (1) فيه ما لم يكن اختلافهم إحالة المعنى ، كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ، ما لم يحل معناه".
وقال يحيى بن سعيد القطان : القرآن أعظم من الحديث ، ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف " (2)
يعني بالشروط التي مضى ذكرها في المدخل .
· الاعتراض على الدليل :
أولاً : إن هذا الاستثناء لا يقاس عليه .
ثانياً : إن اختلاف القراءات في القرآن إنما هو اختلاف يسير في النطق ، وغالبا ما يكون الرسم متشابها فلا يصل إلى درجة الاتيان بكلمة ، ومرد ذلك الى اختلاف لهجات العرب.
· الدليل الثالث :
احتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة في معنى واحد ، كقوله : (بشهاب قبس) (النمل/7) و(بقبس أو أجد على النار هدى) (طه/10) وكذلك قصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة ، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى ، وقد قال أبي بن كعب ، كما أخرج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يعني باختلاف اللهجات لا أن يرووه بالمعنى .
(2) تدريب الراوي (2/99) ، وفتح المغيث (2/246) ، وقواعد التحديث (ص/222).
أبو داود " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر (بسبح اسم ربك الأعلى)،و(قل للذين كفروا) ، و(الله الواحد الصمد) " فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى.(1)
وقال الرامهرمزي ـ عند الكلام على مذهب المجيزين لرواية الحديث على المعنى ـ :"ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب ، أن الله عزل وجل قد قص من أنباء ما قد سبق قصصا كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير ، والحذف والإلغاء ، والزيادة والنقصان وغير ذلك . (2)
وجرى بين محمد بن مسلمة بن مسعدة ومحمد بن منصور قاضي الأهواز مناقشة حول هذا الموضوع . فقال محمد بن مسلمة :"ثلاثة يشددون في الحروف ، وثلاثة يرخصون فيها ، فممن رخص فيها الحسن ، وكان الحسن يقول :"يحكي الله تعالى عن القرون السالفة بغير لغتها ، أفكذب هو !؟ وكان محمد بن منصور متكئاً ، فاستوى جالساً ، ثم أخذ بمجامع كفه ، وقال : وقال : ما أحسن هذا ! أحسن الحسن جداً .(3)
· الاعتراض على الدليل :
أن علام الغيوب يعلم يقينا مدلول هذه الأخبار ، فيخبر عنها بما يوافق نية المتكلم قطعا ، فلا يقاس فعله جل وعلا بفعل البشر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح المغيث (2/246).
(2) المحدث الفاصل (ص/530) .
(3) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في تقويم اللحن بإصلاح الخطأ ـ (ص/530ـ531) ـ رقم (682) ، وابن الجوزي في الموضوعات ، كما في الإصابة (2/73)،وفتح المغيث (3/145).
· الدليل الرابع :
عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً ، قيل يا رسول الله وهل لها من عينين ؟ قال ألم تسمع إلى قول الله عز وجل (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيراً) فأمسك القوم أن يسألوه فأنكر ذلك من شأنهم وقال ما لكم لا تسألوني ؟ قالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : " من تقول علي مالم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا" ، ونحن لا نحفظ الحديث كما سمعناه ، نقدم حرفا ونؤخر حرفا ونزيد حرفا وننقص حرفا ، قال ليس ذلك أردت ، إنما قلت من تقول علي ما لم أقل يريد عيبي وشين الإسلام أو شين الإسلام " (1)
· الاعتراض على هذا الدليل :
بالنسبة لدليلهم الرابع : فإن الحديث باطل كما قال الجوزجاني (2) في (الأباطيل والمناكير) حيث قال : خالد بن دريك لم يسمع شيئاً من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحمد بن عبدالله ابن محمد ضعيف الحديث ، والحديث ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة .(3) الدليل الخامس :
عن أبي أمامة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم" فشق ذلك على الصحابة فقالوا : يا رسول الله إنا نحدث عنك بالحديث فنزيد فيه وننقص . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ـ الباب الثاني في قوله صلى الله عليه وسلم " من كذب على متعمداً " ـ (1/91ـ92)،والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/96ـ97) ـ حديث رقم (89) .
(2) الأباطيل والمناكير (1/94ـ95).
(3) سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/423).
قال :(ليس ذلك أعنيكم إنما أعني الذي يكذب على يريد عيبي وشين الإسلام).قالوا : يارسول الله أولجهنم عينان ؟قال : (ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل (إذا رأتهم من مكان يعيد سمعوا لها ... ) فهل تراهم إلا بعينين ) (1).
· الاعتراض على الدليل :
بالنسبة لدليلهم الخامس : فقد نقل الجوز جانب في الأباطيل والمناكير قول يحيى بن معين وأحمد في محمد بن الفضل . قال أحمد عنه : "ليس بشيء" . وقال ابن معين: "كذاب" . وقال عنه عمرو بن علي :"متروك الحديث كذاب"(2) وقال صالح جزرة :"كان يضع الحديث".
· الدليل السادس :
عن عبدالله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن حده قال : "قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله ، إنا لنسمع الحديث فلا نقدر على تأديته كما سمعناه . قال : إذا لم تحلوا حراماً ولم تحرموا حلالاً فلا بأس" فذكر ذلك للحسن فقال : لولا هذا ما حدثنا . (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ـ الباب الثاني في قوله عليه السلام (من كذب علي متعمداً) ـ (1/95) والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/92ـ93) ـ حديث رقم (87).
(2) الأباطيل والمناكير (1/94ـ96) ، وفتح المغيث (2/246ـ247).
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية على المعنى ـ (ص/302) ، والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/97ـ98)،حديث رقم (91،92) ، والطبراني في المعجم الكبير ـ (7/117) ـ رقم (6491)، وابن منده في معرفة الصحابة كذا قال السيوطي في التدريب (2/99) ، وابن الملقن في المقنع ـ (1/373) ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة ـ (1/71ـ72) ، و(4/245) ، وانظر توجيه النظر ـ (ص/99) ، وقواعد التحديث(ص/208).
· الاعتراض على الدليل :
بالنسبة لدليلهم السادس : فالحديث ضعيف الإسناد ، فيه من لا يعرف كما في مجمع الزوائد مع اختلاف في إسناده .(1)
وإسناد الخطيب منقطع ، وذلك لأن ابن دريك من أتباع التابعين ، كما قال ابن حبان ، وهو لم يلق أحدا من الصحابة ، فيكون بين ابن دريك وبين الرجل راو واحد على الأقل ، وهو لم يسم فهو مجهول .(2)
وقال الجوزجاني عقب ذكره الحديث :"هذا حديث باطل وفي اسناده اضطراب" وحكى الخلاف فيه ، ثم قال :"سليمان بن أكيمة مجهول".(3)
وقال السخاوي في فتح المغيث :"هذا حديث مضطرب لا يصح".(4)
نقول : وفيه الوليد بن سلمة الفلسطيني ، قال دحيم وغيره : "كذاب" ، وقال ابن حبان : "يضع الحديث" .
هذا بالنسبة لحال السند ، أما الكلام على المتن ففيه ما يشعر بأن التقول على النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به إذا لم يكن في شين الإسلام وعيب النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه من وضع الكرامية الذين كانوا يرون جواز الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ، فإذا أنكر ذلك عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم :( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " قالوا :"ما كذبنا عليه إنما كذبنا له ) (5)
ثم إن المراد نفي البأس في العمل بمقتضى ما دل عليه الحديث ، لا النقل عنه .(6)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجمع الزوائد (1/154).
(2) الموضوعات لابن الجوزي (1/95) .
(3) الأباطيل والمناكير (1/97ـ98) .
(4) فتح المغيث (2/247) .
(5) تيسير مصطلح الحديث (ص/93) .
(6) توجيه النظر (ص/304) .
· الدليل السابع :
عن عبدالله بن مسعود قال : " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنك تحدثنا حديثا لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه .
فقال : إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث " .(1)
· الاعتراض على الدليل السابع :
الحديث : في إسناده عبدالعزيز بن عبدالرحمن البالسي ، اتهمه أحمد .
· الدليل الثامن :
واستدلوا بما يروي عن ابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وأنس بما كانوا يقولونه بعد الحديث ، مثل : قريباً من ذلك ، أو نحو ذلك ، أو شبه ذلك أو كما قال ، وإليك البيان:
أولاً : حديث عبدالله بن مسعود :
(أ) كان عبدالله بن مسعود يمكث السنة لا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته الرعدة ويقول : أو هكذا أو نحوه أو شبهه .(2)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/302).
(2) أخرجه الدارمي ـ في سننه ـ المقدمة ـ باب من هاب الفتيا مخافة السقط ـ (1/83ـ84) ، والحاكم ـ في مستدركه ـ كتاب العلم ـ باب التوقي عن كثرة رواية الحديث ـ (1/110ـ111) ، وكتاب معرفة الصحابة ـ باب ذكر ما أوصى به عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ـ (3/314). والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ (ص/310)،وابن عبدالبر في جامع بيان العلم ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث ـ وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79) ، وانظر فتح المغيث (2/249) ، وتدريب الراوي (2/103) ، وعلوم الحديث (ص/189) ، والإلماع (ص/177).
(ب) وفي رواية أنه كان إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هكذا أو نحوا من هذا أو قريباً من هذا ، وكان يرتعد .(1)
(ج) عن عامر قال كان عبدالله لا يقول :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،فإذا قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،قال:هكذا أو نحوا من هذا أو قريبا من هذا ، وكان يرتعد" (2)
ثانياً : حديث أبي الدرداء :
(أ) عن أبي إدريس الخولاني قال :" رايت أبا الدرداء إذا فرغ من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا ، أو نحو هذا ، أو شكله " . (3)
(ب) وعن ربيعة بن يزيد ، عن أبي الدرداء قال :" كان إذا حدث بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اللهم إلا هكذا ، فكشكله واللفظ لحديث معن"(4)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79)،وابن ماجه في سننه ـ المقدمة ـ باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ (1/10ـ11) ـ حديث رقم (23).
(2) أخرجه ابن ماجه في سننه ـ المقدمة ـ باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ (1/10ـ11)ـ حديث رقم (23) ، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ـ باب ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34ـ35) رقم (1104).
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/310) ، وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35) ،رقم (1105) .
(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/310) ، وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35) ، رقم (1106) ، وجامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/78).
ثالثاً : حديث أنس بن مالك :
(أ) قال محمد بن سيرين : كان أنس بن مالك قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : وكان إذا حدث عنه قال : أو كما قال . (1)
(ب) عن محمد بن سيرين قال : "كان أنس بن مالك إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ففرغ منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ".(2)
· الاعتراض على الدليل :
اعترض على هذا الدليل بأن الفرق واقع بين ما إذا أطلق ، أو قال كذا ، أو نحوه ، فإن فيه تصريحا بنقل المعنى ، وأن اللفظ له . (3)
· الدليل التاسع :
نقل بعض أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة ، من غير إنكار من أحد ، بحيث كان إجماعاً ، والقصد قطعا من إيراد اللفظ إنما هو المعنى وهو حاصل ، وإن كان لفظ الشارع أبلغ وأوجز ، ويكفي في كونه معناه غلبه الظن وإلحاق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ الأذان والتشهد ونحوهما من التوقيفات لا دليل له ، كما قاله الخطيب .(4)ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311)،وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35)،رقم (1107) .
(2) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى ـ (ص/206) وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/36)،رقم(1108) .
(3) جامع بيان العلم وفضله (ص/103) .
(4) فتح المغيث (2/247) ، وتوجيه النظر (ص/300).
· الاعتراض على الدليل :
لا يحتج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث . وفهموا معانيها حقيقة ، فعبروا عنها بما أتفق لهم من العبارات ، إذا كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها .
وأما من بعدهم فالمحافظة أولى على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى ، وتسومح في العبارات والتحديث على المعنى انحل "النظم واتسع الخرق" .(1)
· الدليل العاشر :
قال الحافظ ابن حجر :" ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانها للعارف به ، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى ، فجوازه باللغة العربية أولى".(2)
احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي ، وهذا لأنا نعلم أنه لا تعبد في اللفظ ولا تحدي ، وإنما المقصود فهم المعنى وإيصاله إلى الخلق ، وليس ذلك كالتشهد وما تعبد فيه باللفظ كالدعاء (3)
وقال السخاوي ـ وأشار إليه ابن الحاجب ـ :"واستأنسوا للجواز بحديث مرفوع : "قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث فلا نقدر ...".(4)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإلماع (ص/180) ، وتوجيه النظر (ص/300).
(2) تدريب الراوي (2/101) ،وتوجيه النظر (ص/300) ، وقواعد التحديث (ص/224).
(3) الحديث النبوي (ص/176) .
(4) فتح المغيث (2/246).
· الاعتراض على الدليل :
قال السيوطي :"إن جواز ذلك هو أمر استثنائي ، لأن الشارع إما أن لا يبلغ العجم مطلقا،وفي ذلك تقصير بتبليغ الرسالة ، أو أن يطلب من العجم تعلم اللغة العربية ثم يبلغهم هذه الدعوة ، وهذا أمر غير ممكن ، وإما أن يبلغ بهذه الطريقة ، وأما جعل الإبدال باللغة العربية أولى من الإبدال باللغة الأجنبية فأعتقد أنه أمر غير وارد هنا . فإن هذا كمسألة التيمم ، فقد اجاز الشرع التيمم بالتراب عند فقد الماء ، فهل يقال إن التيمم بالماء حينئذ أولى من التراب ؟(1)
أما بالنسبة للحديث المرفوع (إنا نسمع منك الحديث..) فقد تقدم الكلام عليه عند الدليل الرابع والخامس .
· الدليل الحادي عشر :
ويدل على ذلك أيضا اتفاق الأمة على أن للعالم يمعنى خبر النبي صلى الله عليه وسلم وللسامع بقوله ، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية ، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله ، سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين ، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو لا يعرف الخطاب بذلك اللسان لأنه لا يأمن من الغلط ، وقصد التحريف على الترجمات ، فيجب أن يرويه بنفسه .
وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه ، وامتثال موجبه دون إيراد نفس لفظه وصورته ، وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بأحكامه ، ويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تدريب الراوي .
على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيير معنى اللفظ ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبراً بالمعنى المقصود من اللفظ ، وصادقاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبمثابة من أخبر عن كلام زيد وأمره ونهيه وألفاظه بما يقوم مقام كلامه وينوب منابه من غير زيادة ولا نقصان ، فلا يعتبر في أن راوي ذلك قد أتى بالمعنى المقصود ، وليس بكاذب ولا محرف ، وقد ورد القرآن بمثل ذلك ، فإن الله تعالى قص من أنباء ما قد سبق قصصا كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ونحو ذلك . (1)
· الاعتراض على الدليل :
هذا الحديث كما قال الشيخ طاهر الجزائري :"فيه نظر ، فان السامع للترجمة يعلم ان المسموع ليس كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل معناه".(2)
· الدليل الثاني عشر :
من أدلتهم أيضا أن كثيرا من الصحابة كانوا أميين لا يكتبون ، وقد رووا الأحاديث بعد زمان . فلا بد من أن تكون الألفاظ قد بدلت .(3)
· الاعتراض على الدليل :
هذا كلام غير مسلم لأن الحديث كان يروي أولاً بأول لمن لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم لاشتغاله بمعاشه من تجارة أو زراعة أو نحوهما ، ثم هو كان يكتب بعد أن زال النهي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/303ـ304)،وانظر توجه النظر (ص/300).
(2) توجيه النظر (ص/304).
(3) الحديث النبوي (ص/177).
عن الكتابة كما أميتهم لم تمنعهم من الكتابة على أيدي المعروفين بها . ثم إن كون الصحابة أميين لا يعني أنهم لا يحفظون ، لأن الأمية وعدم القراءة والكتابة حافز على الحفظ والضبط ، والأمي أقدر على الحفظ من غيره غالباً .
· المذهب الثاني :
جنح بعض العلماء إلى القول بأن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز إلا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين
قال القاضي أبو بكر بن العربي (ـ 544هـ) :"إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم ، وأما من سواهم ، فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى ، وإن استوفى ذلك المعنى ، فإنا لو جوزناه لكل أحد ، لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث ، إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل ، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه ، فيكون خروجا من الأخبار بالجملة .
والصحابة بخلاف ذلك ، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان :
· أحدهما : الفصاحة والبلاغة ، إذ جبلتهم عربية ، ولغتهم سليقة .
· الثاني : أنهم شاهدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة ، واستيفاء المقصد كله ، ليس من أخبر كمن عاين .
ألا تراهم يقولون في كل حديث : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا) . و(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا) .
ولا يذكرون لفظه ؟ وكان ذلك خبرا صحيحا ، ونقلاً لازماً . وهذا لا ينبغي أن يتريب فيه منصف ، لبيانه " .(1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أحكام القرآن (1/10) ، وتدريب الراوي (2/101).
وهو قول محمد بن هارون الروياني (307هـ) وعلى بن محمد بن حبيب (450هـ) نقله عنهما السخاوي حيث قال : "لا يجوز لغير الصحابة خاصة لظهور الخلل في اللسان بالنسبة لمن بعدهم بخلاف الصحابة ، فهم أرباب اللسان ، وأعلم الخلق بالكلام ، حكاه الماوردي والروياني في باب القضاء ، بل جزما بأنه لا يجوز لغير الصحابي ، وجعلا الخلاف في الصحابي دون غيره "(1)
وعلل القاضي عياض عدم الاحتجاج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، لأنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث ، وفهموا معانيها حقيقة فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات ، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها .
ثم قال بعد ذلك مبيناً سبب عدم جواز رواية الحديث بالمعنى لمن بعدهم " لأن المحافظة أولاً على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى ، وتسومح في العبارات ، والتحدث على المعنى انحل النظم ، واتسع الخرق ".(2)
ونخلص من تلك النقول أن العلماء إنما أجازوا للصحابة رواية الحديث بالمعنى لأمرين اثنين :
الأول : كونهم من أرباب اللسان الواقفين على ما فيه من أسرار البيان .
ثانيهما : سماعهم أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مع مشاهدتهم لأفعاله ووقوفهم على أحواله بحيث وقفوا على مقصده جملة ، فإذا رووا الحديث بالمعنى استوفوا المقصد كله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح المغيث (2/245) .
(2) الإلماع (ص/180) .
على أنهم لم يكونوا يروون بالمعنى إلا حيث لم يستحضروا اللفظ ، وإذا رووا بالمعنى أشاروا في أكثر الأحيان إلى ذلك فصارت النفس مطمئنة لما يروونه بالمعنى ، بخلاف من بعدهم فإنهم لم يكونوا في معرفة اللسان والوقوف بالطبع على أسرار البيان مع عدم سماعهم لشيء من أقواله عليه الصلاة والسلام ولا مشاهدتهم لشيء من أفعاله ولا وقوفهم على حال من أحواله .(1)
· المذهب الثالث :
لا يجوز لغير الصحابة والتابعين (2) بخلاف من كان منهم
وبه جزم بعض معاصري الخطيب ، وهو حفيد أبي بكر في أدب الرواية قال :"لأن الحديث إذا قيده الإسناد وجب أن لا يختلف لفظه فيدخله الكذب "(3)
وهو قول لابن العربي ، حيث قال :"الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عهد الصحابة والتابعين ، لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا تشك أن ذلك لا يجوز ، إذ الطباع قد تغيرت ، والفهوم قد تباينت ، والعوائد قد اختلفت ، وهذا هو الحق ، والله أعلم " (4).
وسبب حصر هذا الفريق رواية الحديث بالمعنى في الصحابة والتابعين أن رواية الحديث بالمعنى إن تعدد الراوون لها توجب رواية الحديث على وجوه شتى مختلفة في اللفظ ، والاختلاف في اللفظ كثيراً ما يوجب الاختلاف في المعنى وإن كان يسيراً بحيث لا يشعر به إلا قليل من أهل الفضل والنبل ، والاختلاف في المعنى يدل على أن ذلك الحديث
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توجيه النظر (ص/308) .
(2) كان التابعون فريقين فريق يورد الأحاديث بالألفاظ ، وفريق يوردها بمعانيها.
(3) فتح المغيث (2/245) .
(4) تفسير القرطبي (1/414) .
لم يرو كما ينبغي بل وقع خطأ في بعض رواياته أو في جميعها ، فيكون فيها ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا المحذور إنما يظهر بعد تدوين الحديث وتقييده بالإسناد ، فإذا منع اتباع التابعين فمن بعدهم من الرواية بالمعنى لم يظهر ذلك المحذور.(1)
· الرد على أصحاب المذهب الثالث :
قال القرطبي :" قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله ، فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل ، نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب ، والله أعلم "(2)
· المذهب الرابع :
ذهب أصحاب هذا المذهب إلى إجازة الرواية بالمعنى بشرط أن يقتصر في ذلك على إبدال اللفظ بمرادفه مع بقاء تركيب الكلام على حاله
وذلك لأن تغيير تركيب الكلام كثيراً ما يخل بالمراد بخلاف إبدال اللفظ بمرادفه فإنه يفي بالمقصود من غير محذور فيه ، وهو قول قوي ، وقد ادعى بعض العلماء أن هذا جائز بلا خلاف (3)
قال مسلم في صحيحه حدثنا واصل الأحدب ، عن أبي وائل ، عن حذيفة أنه بلغه أن رجلاً ينم الحديث ، فقال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة نمام ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توجيه النظر (ص/308) .
(2) تفسير القرطبي (1/414) .
(3) توجيه النظر (ص/307) .
حدثنا على بن حجر السعدي ، وإسحاق بن إبراهيم ، قال إسحاق ، أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث . قال : كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير ، قال فدخل حتى جلس إلينا فقال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة قتات ) (1)
فعلى هذا يجوز إبدال لفظ الحديث النبوي بلفظ آخر مرادف له . كأن يبدل الراوي قول النبي صلى الله عليه وسلم .
|
نهض |
بدل |
قام |
|
قال |
بدل |
تكلم |
|
جلس |
بدل |
قعد |
|
عرف |
بدل |
علم |
|
استطاع |
بدل |
قدر |
|
أراد |
بدل |
قصد |
|
أوجب |
بدل |
فرض |
|
حظر |
بدل |
حرم |
ومثل هذا يطول تتبعه ، وهو قول الخطيب البغدادي إذ أنه قال بعد سياق هذا المذهب :"وهذا القول الذي نختاره مع شرط آخر وهو أن يكون سامع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عالما بموضوع ذلك اللفظ في اللسان ، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد به ما هو موضوع له ، فإن علم تجوزه به واستعارته له لم يسغ له أن يروي اللفظ مجردا دون ذكره ما عرفه من قصده صلى الله عليه وسلم ضرورة غير مستدل عليه ، فإنه إن استدل به على أن قصد به معنى من المعاني جاز عليه الغلط والتقصير في الاستدلال ، ووجب نقله له بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم لينظر هو وغيره من العلماء فيه"(2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه مسلم في صحيحه ـ كتاب الإيمان ـ باب بيان غلظ تحريم النميمة ـ (1/101) ـ حديث رقم (105) ، والقتات : النمام .
(2) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/300ـ301)،وتدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث (2/245) ، والباعث الحثيث (ص/119)،وتوجيه النظر (ص/307).
· المذهب الخامس :
وقال قوم من أهل العلم : الواجب على المحدث أن يروي على اللفظ إذا كان اللفظ الذي ينوب مناب معناه غامضا محتملا فأما إذا لم يكن كذلك بل كان معناه ظاهراً معلوماً ، وللراوي لفظ ينوب مناب لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم غير زائد عليه ولا ناقص منه ، ولا محتمل لأكثر من معنى لفظه صلى الله عليه وسلم غير زائد عليه ولا ناقص منه ولا محتمل لأكثر من معنى لفظه صلى الله عليه وسلم جاز للراوي روايته على المعنى .(1)
· المذهب السادس :
لا يجوز في الرواية والتبليغ خاصة ، بخلاف الإفتاء والمناظرة . قاله ابن حزم في كتابه الإحكام "(2)
· المذهب السابع :
لا يجوز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ويجوز في غيره . حكاه ابن الصلاح ، وقاله مالك فيما رواه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما . وهو قول الخليل بن أحمد . (3)
v الرواية عن مالك بن أنس (ـ 179هـ) ومذهبه في تلك المسألة :
(أ) قال الخطيب البغدادي :" وأما مالك بن أنس فكان يرى أن لفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز تغييره ، ويجوز تغيير غيره إذا أصيب المعنى".(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فتح المغيث (2/245) .
(2) فتح المغيث (2/245) ، وتوجيه النظر (ص/307) .
(3) تدريب الراوي (2/99 ،101) ، علوم الحديث (ص/214) ، وفتح المغيث (2/244) .
(4) رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/33ـ34) .
(ب) سأل ابن عفير مالك بن أنس عن الرجل يسمع الحديث ، فيأتي به على معناه ؟ فقال :"لا بأس به ، إلا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أحب أن يؤتى به على ألفاظه "(1)
(ج) سأل سعيد بن عفير مالك بن أنس عن الحديث يحدث به على المعنى فقال :"إذا كان حديث رسول الله فحدث به كما سمعته ، وإذا كان حديث غيره وأصبت المعنى فلا بأس "(2)
(د) وعن إبراهيم بن سعيد البوشنجي أنه سمع ابن بكير يقول : ربما سمعت مالكا يحدثنا بالحديث فيكون لفظه مختلفا بالغداة والعشي .(3)
(هـ) وقال عبدالعزيز بن يحيى المديني ـ مولى بني هاشم ـ: " سمعت مالك بن أنس يقول : " ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعد اللفظ وما كان من غيره فأصبت المعنى فلا بأس" (4)
(و) وقال أشهب : سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد فقال : " أما ما كان منها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أكره
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحكاية عمن قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ، ويجوز رواية غيره على المعنى ـ (ص/288) ، وفي الجامع لأخلاق الرواي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34) ، رقم (1102) ، والقاضي عياض في الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ـ (ص/178)و(ص/179).
(2) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34) ـ رقم (1103) ، والقاضي عياض في الالماع ـ (ص/179ـ180) .
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ (ص/315).
(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية باب ذكر الحكاية عمن قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ويجوز رواية غيره على المعنى ـ (ص/288) .
ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص منها ، وما كان من قول غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا " (1)
(ز) وقال معن : سألت مالكاً عن معنى الحديث فقال : " أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأده كما سمعته ، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى " . (2)
· المذهب الثامن :
لا يجوز إن كان موجبه عملاً ، كتحليله التسليم وتحريمه التكبير ، وخمس يقتلن في الحل والحرم ، وإن كان موجبه علماً كالعقائد جاز لأن المعول في العلم على معناه .بل وفي العلم أيضا ما يجوز بالمعنى ، نقله السمعاني .(3)
· المذهب التاسع :
إن نسي اللفظ جاز ، لأنه تحمل اللفظ والمعنى ، وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر ، لا سيما أن تركه قد يكون كتما للأحكام ، وبروايته بالمعنى يكون قد أتى بما في وسعه . قال تعالى : (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (البقرة :286)،فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره ، لأن في كلامه صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس في غيره (4) ، وهذا ما رجحه الماوردي وطاهر الجزائري .
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ـ(ص/288)،وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/81) ، وانظر الالماع (ص/288ـ289).
(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ـ (ص/189) ، وانظر الالماع (ص/178).
(3) تدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث(2/114ـ115)،وتوجيه النظر (ص/308).،والباعث الحثيث (ص/119).
(4) تدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث (2/245)،وتوجيه النظر(ص/308)،الباعث الحثيث(ص/119).
(أ) قال الماوردي في الحاوي :"لا يجوز الرواية بالمعنى لمن يحفظ اللفظ لزوماً إن كان في تركه كتم للأحكام فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره ، لأن في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس في غيره " . (1)
(ب) وقال الشيخ طاهر الجزائري :" وهذا القول أقوى لأن الرواية بالمعنى إنما أجازها من العلماء الأعلام للضرورة ، ولا ضرورة إلا في هذه الصورة وإلا فلا يظن بذي كمال في العقل والدين أن يجيز تبديل الألفاظ الواقعة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع استحضاره لها بألفاظ من عنده ثم ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ صريح في صدرها منه ".(2)
· المذهب العاشر :
يجوز لمن يحفظ لفظ الحديث أن يرويه بالمعنى لتمكنه من التصرف فيه بإيراد ألفاظ تقوم مقام تلك الألفاظ في المعنى دون من نسيه (3) وهو عكس القول السابق ، وعلل أصحاب هذا القول رأيهم بأن من لا يستحضر اللفظ لا يجوز له رواية الحديث بالمعنى لعدم تمكنه من التصرف فيه بإيراد تلك الألفاظ في المعنى،ولاحتمال أن يكون ذلك المعنى أزيد مما يدل عليه اللفظ الذي نسيه أو أنقص منه ، ولذا منع العلماء من وضع العام في موضع الخاص والمطلق في موضع القيد ، وبالعكس ، وذلك لاشتراطهم أن يكون ما جاء به الراوي مساوياً للأصل .(4)
قال العلامة المحقق أحمد شاكر :"والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري"(5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) توجيه النظر (ص/307) .
(2) توجيه النظر (ص/307) .
(3) تدريب الراوي (2/102) ، والباعث الحثيث (ص/119) ، وتوجيه النظر (ص/308) ، مقدمة في أصول الحديث 0ص/50) .
(4) توجيه النظر (ص/306) .
(5) الباعث الحثيث (ص/120) .
الفصل الثاني
في بيان
مذهب المانعين
رواية الحديث بالمعنى
المسوغات والأدلة
قالت طائفة من السلف وأهل التحري في الحديث : لا تجوز الرواية على المعنى ، بل يجب تأدية اللفظ بعينه من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا حذف ، ولم يفرق أصحاب هذا القول بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه وما ينوب منه مناب بعض وما لا ينوب ، وبين غير العالم بذلك .(1)
وذهب بعض القائلين بهذا القول إلى التشديد ، فلم يجيزوا تقديم كلمة على كلمة ، ولا حرف على آخر ، ولا إبدال حرف بآخر ، ولا زيادة حرف ولا حذفه ، فضلا عن أكثر ، ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف ، ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله ، بل اقتصر بعضهم على اللفظ ، ولو خالف اللغة الفصيحة ، وكذا لو كان لحناً ، كما بين تفصيل هذا كله الخطيب في الكفاية .(2)
وإلى هذا القول ذهب عمر بن الخطاب ، وابنه عبدالله ، وزيد بن أرقم ، وأبو أمامة ، ومالك بن أنس ، وعبدالملك بن عمير ، وأبو جعفر ، وابن شهاب ، ويحيى بن سعيد ، وابن جريج ، وابن سيرين ، وابن طاوس ، وإبراهيم بن ميسرة ، والقاسم بن محمد ، ورجاء بن حيوة ، وإسماعيل بن علية ، ووهيب ، ويزيد بن زريع ، وعبدالوارث ، وثعلب ، وأبوبكر الرازي من الحنفية .
الروايات عن أصحاب هذا المذهب :
(1) أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي (ـ23هـ) :
قال : من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم .(3)
(1) فتح المغيث (2/243) ، وانظر الالماع (ص/187) .
(2) الكفاية (ص/265ـ287) .
(3) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/538) ـ رقم (701) ، والقرطبي في تفسيره (1/412) .
(2) أبو هريرة (ـ 57هـ) :
عن بشير بن نهيك قال : كنت أكتب عند أبي هريرة ما سمعت منه ، فإذا أردت أن أفارقه جثت بالكتاب فقرأته عليه ، فقلت : أليس هذا ما سمعته منك . قال : نعم ) . (1)
(3) عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي (ـ 73هـ) :
(أ) "قال محمد بن علي : كان ابن عمر إذا سمع الحديث فلم يزد ولم ينقص منه ولم يجاوزه ولم يقصر عنه " .(2)
(ب) عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال :"لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد فيه ولا ينقص مثل عبدالله بن عمر .(3)
(ج) روي أن عبيد بن عمير قال وهو يقص :"مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين ". فقال ابن عمر:" ويلكم لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما قال :"مثل المنافق كمثل الشاة الرايطة بين الغنمين ."(4)
(د) وسمع ابن عمر رجلا يردد حديث الأركان الخمسة ، فقدم بعضها وأخر البعض مخالفاً بذلك الرواية التي سمعها ابن عمر نفسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :"اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ(ص/265) .
(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ(ص/265) .
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/265) .
(4) الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال كلمة بكلمة ـ (ص/268).
(5) الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة بكلمة ـ (ص/271).
(4) أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان (ـ 86هـ) :
(أ) قال حبيب بن عبيد : كان أبو أمامة يحدث بالحديث كالرجل الذي يؤدي ما سمع"(1)
(2) وقال أيضاً :"إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل الذي عليه أن يؤدي ما سمع"(2)
(5) أبو معمر الهذلي (ـ 415هـ) :
عن عمارة عن أبي معمر قال :"إني لأسمع الحديث لحناً ، فألحن اتباعا لما سمعت "(3)
(6) طاوس بن كيسان اليماني (ـ 106هـ) :
(أ) كان إبراهيم بن ميسرة وطاوس يحدثان الحديث على حروفه وكان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً .(4)
(ب) عن الليث عن طاوس قال :"اذا تعلمت الشيء فتعلمه لنفسك ، فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة ". قال :"وكان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً"(5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/266) .
(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ (ص/266) .
(3) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/540)ـ رقم (707) ، والخطيب في الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن كان لا يرى تغيير اللحن في الحديث ـ (ص/285) ، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (ص/81) .
(4) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ (ص/539) ـ رقم (704) .
(5) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/539) ـ رقم (704) .
(7) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ـ 106هـ) :
عن طلحة بن عبدالملك قال : "أتيت القاسم وسألته عن أشياء فقلت : أكتبها ؟ قال : نعم . فقال لابنه : انظر في كتابه ، لا يزيد على شيئاً . قلت : يا أبا محمد ، إني لو أردت أن أكذب لم آتك !! قال : إنما أردت إن أسقطت شيئاً يعدله لك"(1)
(8) محمد بن سيرين (ـ 110هـ) :
(أ) عن ابن عون قال : "كان القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وابن سيرين يحدثون ـ الحديث ـ كما سمعوا"(2)
(ب) عن ابن عون قال : كان الحسن والنخعي والشعبي يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا ، فذكر ذلك لابن سيرين فقال :"إنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل".(3)
(9) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ـ 124هـ) :
قال ابن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج يجيئون بالحديث على وجهه".(4)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/539) ـ رقم (705) .
(2) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/534 ـ 535) ـ رقم (691) ، والخطيب في الكفاية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ، وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311)،وانظر تدريب الراوي (2/100) .. كان القاسم بالحجاز وابن سيرين بالبصرة ورجاء بالشام .
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311).
(4) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .
(10) عبدالكريم الجزري (ـ 127هـ) :
عن سفيان قال :"سمعت عبدالكريم الجزري يقول : إني لأحدث الحديث ما أترك منه كلمة".؟(1)
(11) إبراهيم بن ميسرة الطائفي (ـ 132هـ) :
عن سفيان قال :"كان إبراهيم بن ميسرة لا يحدثه ـ أي الحديث ـ إلا على ما سمع ".(2)
(12) عبدالله بن طاوس بن كيسان اليماني (ـ 132هـ) :
عن سفيان قال :" كان إبراهيم بن ميسرة وابن طاوس يحدثان ـ الحديث ـ كما سمعا "(3)
(13) عبدالملك بن عمير بن سويد الكوفي (ـ 136هـ) :
قال سفيان : سمعت عبدالملك بن عمير يقول :"والله إني لأحدث بالحديث فما أدع منه حرفاً.(4)
(14) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبوسعيد القاضي (ـ 144هـ) :
قال ابن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج ، يجيئون بالحديث على وجهه ".(5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في التقديم والتأخير ـ (ص/543) ـ رقم (717) .
(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات (7/162) ، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/538) ـ رقم (702) ، وابن عبدالبر (1/72) ، وزهير بن حرب في العلم (ص/193) .
(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ، وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311ـ312) .
(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الرواية عمن أجاز النقصان من الحديث ولم يجز الزيادة ـ (ص/290) .
(5) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .
(15) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي (ـ 150هـ) :
قال بن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج يجيثون بالحديث على وجهه".(1)
(16) وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي (ـ 165هـ)
(17) عبدالوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري (ـ 180هـ)
(18) يزيد بن زريع البصري أبو معاوية (ـ 182هـ)
(19) إسماعيل ابن علية (ـ 193هـ) :
(أ) قال قتيبة :"كانوا يقولون الحفاظ أربعة ، اسماعيل ابن عليه وعبدالوارث ، ويزيد بن زريع ، ووهيب وكانوا هؤلاء يؤدون اللفظ".(2)
(ب) أنكر إسماعيل بن علية على شعبة ـ مع جلالته وإتقانه ـ روايته بالمعنى عنه بحديث النهي أن يتزعفر الرجل ، بلفظ "نهى عن التزعفر"(3) الدال على العموم ، حيث لم يفطن لما فطن له إسماعيل الذي رواية شعبة عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر من اختصاص النهي بالرجال .(4)
(21) القاضي عياض (ـ 544هـ) :
قال بعد إيراده لأقوال مالك في منع رواية الحديث بالمعنى .
قال :"وما قاله ـ رحمه الله ـ الصواب ، فإن نظر الناس مختلف ، وأفهامهم متباينة ، وفوق كل ذي علم عليم . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) . فإذا أدى اللفظ أمن الغلط . واجتهد كل من بلغ إليه فيه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .
(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ(ص/316) .
(3) لفظ الحديث كما هو عند البخاري :"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل "ـ كتاب اللباس ـ باب النهي عن التزعفر للرجال ـ (10/304) ـ حديث رقم (5846) .
(4) فتح المغيث (2/241 ـ 242) .
،وبقي على حاله لمن يأتي بعد ، وهو أنزه للراوي ، وأخلص للمحدث .
ولا يحتج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ ، وأسباب تلك الأحاديث ، وفهموا معانيها حقيقة ، فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات ، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها . وأما من بعدهم فالمحافظة أولا على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى وتسومح في العبارات والتحدث على المعنى انحل النظم ، واتسع الخرق . (1)
وقال أيضا : ينبغي سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن من يظن أنه يحسن كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا . (2)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الالماع (ص/180) .
(2) تدريب الراوي (2/102) ، وانظر الإلماع (ص/186) .
أدلة القائلين بالمنع
· الدليل الأول :
v حديث ابن مسعود : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فأداه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع) (1)
· وجه الدلالة :
إذا كان المبلغ أوعى من السامع وأفقه ، وكان السامع غير فقيه ولا ممن يعرف المعنى ، وجب عليه تأدية اللفظ ليستنبط معناه العالم الفقيه .(2) فالأفطن ربما فطن بفضل فقهه من فوائد اللفظ بما لا يفطن له الراوي لأنه ربما كان دونه في الفقه . (3)
قال القاضي عياض :"فإن نظر الناس وأفهامهم متباينة ،وفوق كل ذي علم عليم.كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . فإذا أدى اللفظ أمن الغلط ، واجتهد كل من بلغ إليه فيه ، وبقي على حاله ، كمن يأتي بعده وهو أنزه للراوي وأخلص للمحدث " (4)
وهذا أمر واقع ومشاهد وملموس "فإننا لما جربنا رأينا أن المتأخر ربما أستنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبه له أهل الأعصار السالفة من العلماء المحققين ، فعلمنا أنه لا يجب في كل ما كان من فوائد اللفظ أن يتنبه له السامع في الحال وإن كان فقهيا ذكيا . فلو جوزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم مع أن الراوي يظن أن لا تفاوت ".(5)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه أحمد في مسنده (1/437)،والترمذي في جامعه ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ـ (ص/345) ـ حديث رقم (2657) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/267) ، عن ابن مسعود واللفظ له .
(2) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ(ص/305).
(3) توجيه النظر (ص/300) .
(4) الالماع (ص/180) .
(5) توجيه النظر (ص/300) .
· الاعتراض على الدليل :
بالنسبة لحديث ابن مسعود نقول : إن الأداء كما سمع ، ليس مقصورا على نقل اللفظ ، بل النقل بالمعنى من غير تغيير أداء كما سمع ، فإنه أدى المعنى كما سمع لفظه ، وفهمه منه ، نظيره أن الشاهد والمترجم إذا أدى المعنى من غير زيادة ولا نقصان ، يقال أنه أدى كما سمع ، وإن كان الأداء بلفظ آخر . ولو سلم أن الأداء كما سمع مقصوراً على نقل اللفظ ، فلا دلالة في الحديث على عدم الجواز ، غايته أنه دعاء للناقل باللفظ ، لكونه أفضل ، ولا نزاع في الأفضلية.(1)
قال الترمذي :"اقتضى العلماء الأداء وتبليغ العلم ، فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان . ولا تقديم ولا تأخير ، كانوا يستودعونها الصحف ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، فكان إذا نزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع توكل الله له بجمعه وقرآنه فقال (إن علينا جمعه وقرآنه) وقال (وإنا له لحافظون) فكان الوحي محروساً بكتبه ، ولو كانت هذه الأحاديث سبيلها هكذا لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك "(2)
ثم إن هذا الدليل يكاد يكون لنا لا علينا ، إذ أن هذا الحديث لكونه مع قيل أنه صلى الله عليه وسلم لم يحدث به سوى مرة واحدة روي بألفاظ مختلفة .
ـ (نصر الله امرأ سمع منا حديثا ، فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه) (3)
ـ (نضر الله امرأ سمع منا شيئا ، فبلغه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع) (1)
ـ (نضر الله عبداً سمع مقالتي ، فوعاها ، ثم بلغها عني ، فرب حالم فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (2)
ـ (نظر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها ، ثم أداها إلى من يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصح لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحوط من وراءهم) (3)
ـ (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، وقال : من كان همه الآخرة ، جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق اللــه عليــه ضيعته،وجعل فقره
ـــــ
بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له (1)
ـ (رحم الله امرأ سمع منا حديثا فوعاه ثم بلغه من هو أوعى منه) (2)
فهذا الحديث الذي يحتجون به نرى ألفاظه مختلفة مثل :
|
فكلمه عبداً |
أتت في رواية بلفظ |
أمراً |
|
وكلمة منا |
أتت في رواية بلفظ |
مقالتي |
|
وكلمة حديثاً |
أتت في رواية بلفظ |
شيئاً |
|
وكلمة فحفظه |
أتت في رواية بلفظ |
فوعاها |
|
وجملة حتى يبلغه |
أتت في رواية بلفظ |
ثم بلغها وفي رواية بلفظ ثم أداها |
|
وجملة قرب حامل فقه |
أتت في رواية بلفظ |
فرب مبلغ أوعى من سامع |
|
وجملة فرب حامل فقه غير فقيه |
أتت في رواية بلفظ |
فرب حامل فقه ليس بفقيه |
يقول السخاوي عن الحديث :"إنه روي بألفاظ مختلفة : كرحم الله ، ومن سمع ، ومقالتي ، وبلغه ، وأفقه ، ولا فقه له ، مكان نضر الله ، وامرأ ، ومناحديثا ، وأداه وأوعى وليس بفقيه" ، ثم قال :" لا سيما وفيه ما يرشد إلى الفرق بين العارف ، وغيره بقوله :"فرب مبلغ أوعى من سامع ، ورب حامل فقه ليس بفقيه إلى من هو أفقه منه "(3)
قال الخطيب البغدادي : أما الحديث الأول : (نضر الله امرأ ...) فهو حجة عليكم لأنه قد علل فيه ونبه على ما يقول بقوله صلى الله عليه وسلم فرب مبلغ أوعى من سامع ، ورب حامل فقه ليس بفقيه والى من هو أفقه منه ، وكأنه قال : إذا كان المبلغ أوعى من السامع وأفقه وكان السامع غير فقيه ولا ممن يعرف المعنى وجب عليه تأدية اللفظ ليستنبط معناه العالم الفقيه ، وإلا فلا وجه لهذا التعليل إن كان حال المبلغ والمبلغ سواء ، على أن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه على المعنى ، فقال بعضهم :
|
رحم الله |
بدل |
نضر الله |
|
من سمع |
بدل |
امرا سمع |
|
مقالتي |
بدل |
مني حديثا |
|
بلغة |
بدل |
أداء |
|
فرب مبلغ أفقه من مبلغ |
بدل |
فرب مبلغ أوعى من سامع |
|
ورب حامل فقه لا فقه له |
بدل |
ليس بفقيه |
وألفاظ سوى هذه متغايرة تضمنها هذا الخبر ، وقد ذكرنا طرقه على الاستقصاء باختلاف ألفاظها في كتاب أفردناه لها ، والظاهر يدل أن هذا الخبر نقل على المعنى ، فلذلك اختلفت ألفاظه وإن كان معناها واحداً ، والله أعلم (1)
· الدليل الثاني :
v حديث البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا براء كيف تقول إذا أخذت مضجعك ؟)
قال : قلت الله ورسوله أعلم .
قال : (إذا أويت إلى فراشك طاهرا ، فتوسد بيمينك ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلت )
فقلت كما علمني غير أني قلت :" ورسولك فقال بيده في صدري : " ونبيك " فمن قالها في ليلته ثم مات ، مات على الفطرة . (1)
· وجه الدلالة :
قالوا : لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ . (2)
· الاعتراض على الدليل :
أما بالنسبة لحديث البراء بن عازب : ففي الاستدلال به نظر ، لأنه وإن تحقق بالقطع أن المعنى في اللفظين متحد ، لأن الذات المحدث عنها واحدة ، فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف ، فيتحمل أن المنع لكون ألفاظ الأذكار توقيفيه ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس ، فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به ، وبالجملة فيستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها ، كما قال الحسن وغيره ، لأن ذلك أسلم وأفضل ، كما قاله ابن سيرين وغيره .
ولذا كان ابن مهدي ـ فيما حكاه عنه الإمام أحمد ـ يتوقى كثيرا ويحب أن يحدث بالألفاظ (3)
وقال الخطيب البغدادي :" وأما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل في الحديث الثاني قوله : "وبرسولك " إلى " وبنبيك الذي أرسلت " فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمدح من الرسول ، ولكل واحد من هذين النعتين موقع ، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة ، واسم النبي لا يتناول إلى الأنبياء خاصة ، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة معاً فلما قال " الذي أرسلت " وبيان آخر وهو أن قوله " وبرسولك الذي أرسلت " جاء النعت وهو النبوة ، ثم قيده بالرسالة حيث قال (الذي أرسلت) وبيان آخر وهو أن قوله (وبرسولك الذي أرسلت) غير مستحسن لأنه مجتزأ بالقول الأول أن " رسول فلان" عن أن يقول " الذي أرسله " إذا كان لا يفيد القول الثاني إلا المعنى الأول وكان قوله ، و" بنبيك الذي أرسلت " يفيد الجمع بين النبوة والرسالة ، فلذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم به ورده إليه ، والله أعلم " (1)
ولقد علل الدكتور محمد الصباغ رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل إلى قوله الذي علمه إياه بقوله لأنه دعاء ، الدعاء تعبد ، وللألفاظ أسرار في الدعاء لا يباح لعبد أن يغيرها ، ألا ترى أنه لا يجوز للمرء أن يغير لفظ التحيات في الصلاة إلى ما يقابلها ، وما ذكره القرطبي شيء جميل يضم إلى ما ذكرنا ، وإن كان الذي ذكرنا هو المقدم في الاحتجاج والله أعلم ".(2)
· الدليل الثالث :
v حديث أنس بن مالك : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من جهنم أو من النار) .(3)
ــــــــــــــــــــــــــــــــ