الصفحة الرئيسية    تواصل معنا    سجل الزوار
 
مؤلفاته
مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى



مناهج المحدثين

في

رواية الحديث بالمعنى

د. عبدالرزاق بن خليفة الشايجي

العميد المساعد للبحث العلمي

كلية الشريعة ـ جامعة الكويت

د. السيد محمد السيد نوح

أستاذ مساعد في قسم الحديث

كلية الشريعة ـ جامعة الكويت

 

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه والسالكين سبيله والداعين بدعوته إلى يوم الدين .

وبعد :

فقد كانت بين الإسلام وأهل الباطل من قديم صولات وجولات ، انتهت بهزيمة الكفر وأهله ، وبقاء العزة لله ، ولرسوله ، وللمؤمنين .

ولم يقبل الكفر وأهله بالهزيمة العسكرية ، ففكروا في غزو من نوع جديد ، وكان تركيزهم حول الحديث النبوي أو السنة النبوية ، موقنين أن انهيارها سيكون سبباً في تعطيل القرآن لحاجته إليها في البيان والتفصيل ، وبتعطيل القرآن يعطل الإسلام ، ويسهل عليهم أن يهزموا الإسلام وأهله عسكرياً .

وكان من الغزو الفكري للحديث النبوي أو السنة النبوية زعمهم أن الحديث النبوي لا يوثق به ، ولا يطمأن إليه نظراً لأنه مروي بالمعنى ، وكل واحد من الرواة يفهم من اللفظ غير ما يفهمه الآخر ولذلك لم يعتمدوا الحديث مصدراً من مصادر اللغة العربية ، محتجين بأنه كان يؤدى بالمعنى ، وكل واحد يروي غير ما يروي الآخر ، ناسين أو متناسين مقدار الجهد الذي بذله الصحابة ومن بعدهم في الحرص على نقل الحديث باللفظ ، ولئن كان هناك ما يروى بالمعنى فهو قليل ، وقليل جداً بجانب ما رُوي باللفظ ، حتى الذي روي بالمعنى وُضعت له شروط غاية في الدقة والضبط من أجل صيانة الحديث النبوي أو السنة النبوية من التحريف والتبديل ، وقد فطن العلماء لهذا النوع من الغزو الفكري من قديم ، فأولوه عنايتهم الخاصة ، ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من العناية والاستقصاء وعرضه في أسلوب سهل يفهمه العامة والخاصة ، وطالب العلم والعالم.

من هذا المنطلق كانت هذه الدراسة  " مناهج المحدثين في رواية الحديث بالمعنى " ، وتسهيلاً لتناول الموضوع جاء في " مقدمة ، وتمهيد ، وثلاثة فصول ، وخاتمة وذلك على هذا النحو :

 

·        المقدمة : وتتضمن :

 

(أ‌)                  سبب اختيار الموضوع وأهميته .

(ب)                  خطة البحث على النحو المذكور .

·        الموضوع : ويتضمن المدخل وثلاثة فصول، أما المدخل فيتضمن:

                                                                     ‌أ-         نبذة تاريخية عن الرواية بالمعنى .

                                                                    ‌ب-       تعريف الرواية بالمعنى .

                                                                    ‌ج-        أسباب اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث .

وأما الفصول الثلاثة فهي:

·        الفصل الأول : في بيان مذهب المجوزين رواية الحديث بالمعنى .. الضوابط والأدلة .

·        الفصل الثاني : في بيان مذهب المانعين رواية الحديث بالمعنى .. المسوغات والأدلة .

·        الفصل الثالث : في بيان الراجح في رواية الحديث بالمعنى مقروناً بالدليل .

·        الخاتمة : وتتضمن نتائج الدراسة والمقترحات والتوصيات .

هذا وإنا لنرجو من الله أن يتقبل منا هذا البحث ، بقبول حسن

إنه ولي ذلك والقادر عليه

الباحثان

د. عبدالرزاق بن خليفة الشايجي                         د. السيد محمد السيد نوح

العميد المساعد للبحث العلمي                            أستاذ مساعد في قسم الحديث

كلية الشريعة ـ جامعة الكويت كلية الشريعة ـ جامعة الكويت


 

 

المدخل

(أ) تاريخ الكلام عن الرواية بالمعنى  

          لا يكاد يخفى على أحد حرص الصحابة والتابعين وأتباعهم على التثبت في قبول الأخبار وروايتها ، وجاءت الروايات الصحيحة التي تحكي لنا ورعهم وخشيتهم عندما يروون حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان أحدهم لا يروي الحديث إلا بعد الاستيثاق من ضبط حروفه وفهم معناه ، وكان الواحد منهم إذا سئل يود لو أن أخاه كفاه مؤونة السؤال ، حتى إن بعضهم كان يأبى أن يروي شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مخافة الزيادة أوالنقصان . وكان بعضهم يروي الحديث بالمعنى ، ويرى أن هذا الفعل لا ينافي الاستيثاق ، ولعل هذين المذهبين ـ أي مذهب القائلين بالجواز ومذهب المانعين ـ هما أقوى المذاهب في هذه المسألة ، حيث إن هناك أكثر من مذهب ستجده مدونة بين ثنايا هذا البحث .

وقد أطال بعض العلماء قديما وحديثا القول في أدلة كل من المجيزين للرواية بالمعنى ، والمانعين لها ، كالخطيب البغدادي ، وابن حزم ، وابن الصلاح ، والعراقي ، وابن كثير ، والسيوطي ، والسخاوي .

قال العلامة أحمد شاكر (1) : " وقد استوفى الأقوال وأدلتها شيخنا العلامة الشيخ طاهر الجزائري ـ رحمه الله ـ في كتابه " توجيه النظر " . (2)

 

(ب) معنى رواية الحديث بالمعنى  

هو أن يعمد الراوي إلى تأدية معاني الحديث بألفاظ من عنده . (3) وذلك كأن يغيب عنه عند روايته للحديث لفظه ، مع استحضاره وحفظه لمعناه ، فيعبر عن المعنى بألفاظ تؤديه.

 

 

ج) أسباب اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث

تختلف أسباب اختلاف الرواة في ألفاظ الحديث فمنها :

(1)     تعدد مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم وكثرتها ، فقد يتناول موضوعاً واحداً في مناسبات مختلفة ، ويجيب السائلين بما يتناسب مع مداركهم . (1)

(2)     قد يستفتي الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من واحد في واقعة واحدة ، فيفتي كل واحد بألفاظ مختلفة ، وعبارات متفاوتة ، تؤدي الغاية المقصودة .

(3)            أن يكون الحديث طويلا نوعا ما ، فيضعف الراوي عن حفظ اللفظ بنصه ، فيؤديه بالمعنى .

ولا خلاف بين أهل العلم في أن المحافظة على لفظ الحديث ونصه كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر جليل ، يحرص عليه أشد الحرص ، وأنه الأولى بكل ناقل ، والأجدر بكل راو . (2)

وقد اتفق العلماء ـ كما نقل ذلك ابن الصلاح (3) والنووي (4) ، وغيرهما على أن الراوي إذا لم يكن عالما بالألفاظ ، عارفا بمدلولاتها ومقاصدها ، ولا خبيرا بما يحيل معانيها ، ولا بصيرا بمقادير التفاوت بينها ، لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى (5) .

 

قال الغزالي : " نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ، ودقائق الألفاظ ، أما العالم بالفرق بين المحتمل ، وغير المحتمل ، والظاهر والأظهر ، والعام والأعم ، فقد جوز له الشافعي ومالك وأبوحنيفة وجماهير الفقهاء أن ينقله على المعنى ، إذا فهمه " . (1)

مذاهب المحدثين في حكم رواية الحديث بالمعنى

إنما وقع الخلاف بين السلف من أصحاب الحديث ، وأرباب الفقه والأصول ، في أنه هل يسوغ للبصير بالألفاظ ، العارف بالمدلولات ، الخبير بالمترادفات من الألفاظ ، ونحو ذلك أن يحدث بالحديث على المعنى ، وأن يبدل اللفظ الذي بلغه بلفظ آخر يقوم مقامه ، بحيث يكون معناه مطابقاً لمعنى اللفظ الذي بلغه أو لا؟

في ذلك مذاهب يؤول بعضها إلى القول بالجواز ، وبعضها إلى القول بالمنع ، ومن المهم معرفة أصحاب كل مذهب ، وأهم حججهم التي احتجوا بها ، والقول الراجع في هذه المسألة الحديثية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)               الباعث الحثيث (ص/120).

(2)               توجيه النظر (ص/298ـ314).

(3)               الحدث النبوي (ص/170).

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)    وما روي بالمعنى مع هذا لا يكاد يخفى على أهل العلم ، لكثرة دراستهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وللأمانة العلمية التي كان عليها الرواة ، فقد كانوا مثلا رائعا في الضبط والدقة والإتقان ، وكانوا يتبعون بعض ما يروونه بعبارة تفيد احتياطهم فيما نقلوه ، وينبهون في أثناء سياق الحديث على مواضع السهو أو الظن ، وكانوا يحرصون دائما على اللفظ النبوي كما صدر عنه صلى الله عليه وسلم .

(2)           جامع الأصول (1/51) .

(3)           علوم الحديث لابن الصلاح (ص/190) ، التقييد والإيضاح (ص/226) .

(4)           تدريب الراوي (2/98) .

(5)     الرسالة (ص/370ـ310) ، المحدث الفاصل (ص/530) ، الكفاية (ص/264) ، المستصفى (1/168) ، تدريب الراوي (2/98) ، توجيه النظر (ص/298) ، الباعث الحثيث (ص/141) .

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستصفى (1/168) .

 

 

 

 

 

 الفصل الأول

في بيان مذهب

 

المجوزين

 

رواية الحديث

 

بالمعنى

 

الضوابط والأدلة

 

ذهب كثير من العلماء إلى جواز الرواية بالمعنى ، غير أنهم اختلفوا في هذا القول على مذاهب بحسب الشروط التي اشترطها كل منهم :

·        المذهب الأول :

جواز رواية الحديث بالمعنى في الأحاديث المرفوعة وغيرها إذا قطع بأن اللفظ الذي يروي به يؤدي المعنى الذي سمعه ، وهذا مذهب  (1) جمهور السلف والخلف من الطوائف ، لمن كان مشتغلاً بالعلم ، ناقداً لوجوه تصرف الألفاظ ، واسع العلم بمعانيها ومقاصدها ، جامعاً لمواد المعرفة بذلك (2) . ومن العلماء القائلين بهذا القول :

(1) حذيفة بن اليمان (36 هـ) :

قال : " إنا قوم عرب نورد الأحاديث ، فنقدم ونؤخر " (3) .

(2) عائشة بنت أبي بكر الصديق (57 هـ) :

عن عروة قال : قالت لي عائشة رضي الله عنها : " يا بُني يبلغني أنك تكتب عني الحديث ثم تعود فتكتبه .

فقلت لها : أسمعه منك على شيء ثم أعود فأسمعه على غيره .

فقالت : هل تسمع في المعنى خلافاً ؟

قلت : لا

قالت : لا بأس بذلك . " (4)

 

3) أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان (ـ 63 هـ) :

(أ) عن أبي نضرة المنذر بن مالك قال : قلت لأبي سعيد الخدري رضي الله عنه : إنك تحدثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا عجيبا ، وإنا نخاف أن نزيد فيه أو ننقص " .

قال : " أردتم أن تجعلوه قرآنا ؟ لا ، لا ، ولكن خذوا عنا كما أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " (1) .

(ب) عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : " كنا نجلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم عسى أن نكون عشرة نفر نسمع الحديث فما منا اثنان يؤديانه غير أن المعنى واحد " (2) .

(4) عبدالله بن عباس (ـ 68 هـ) :

قال الشعبي : " قلت لابن عباس : إنك تحدثنا بالحديث اليوم ، فاذا كان من الغد ، قلبته !

قال : فقال وهو غضبان : " أما ترضون أن نحفظ لكم معاني الحديث ، حتى تسألونا عن سياقها " . (3)

(5) زرارة بن أبي أوفى العامري (93 هـ ) :

قال : " لقيت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فاختلفوا في اللفظ واجتمعوا في المعنى " . (4)

 

 

(6) إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي (ـ 96 هـ) :

عن أبي حمزة قال : قلت : لإبراهيم : إنا نسمع منك الحديث ، فلا نستطيع أن نجيء به كما سمعنا ، قال : أرأيتك إذا سمعت تعلم أنه حلال من حرام؟ قال : نعم .

قال : فهكذا كل ما نحدث " (1)

(7) عامر بن شراحيل الشعبي (100 هـ) :

عن ابن عون قال : " كان الحسن والشعبي وإبراهيم يحدثون بالمعاني " .

"كان الحسن والنخعي والشعبي يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا".(2)

(8) مجاهد بن جبر (ـ 101 هـ) :

عن سيف المكي قال : قال مجاهد : " لئن أنقص ـ من الحديث ـ أحب إلي من أن أزيد فيه " (3)

(9) الحسن بن أبي الحسن البصري (110 هـ) :

 

(أ) عن المبارك بن فضالة عن الحسن أنه قال : " كان لا يرى بأسا أن يقدم أو يؤخر إذا أصاب المعنى " . (4)

 


 

(ب) وعن غيلان بن جرير قال : قلت للحسن : " الرجل يسمع الحديث فيحدث به لا يألو ، يكون فيه الزيادة والنقصان ؟ قال : فقال الحسن : لا بأس به " . (1)

(ج) وعن مهدي بن ميمون قال : قلت للحسن : " الرجل يحدث بالحديث لا يألو ، فتكون فيه الزيادة والنقصان ؟ قال : ومن يطيق ذلك " (2) وفي رواية : " قال سبحان الله ، ومن يطيق ذلك " (3)

(د) وقال غيلان للحسن : " يا أبا سعيد الرجل يحدث بالحديث فلا يحدثه كما سمعه يزيد فيه وينقص ؟ فقال الحسن : إنما الكذب على من تعمده " (4)

(هـ) وعن جرير بن حازم قال : " سمعت الحسن يحدث بالحديث ، الأصل واحد ، والكلام مختلف . وقال أبو الأحوص : أصله واحد ، واللفظ مختلف . " (5)

(و) وعن عمران القصير ، عن الحسن قال : " قلت له : إنا نسمع الحديث فلا نجيء به على ما سمعناه ، قال : لو كنا لا نحدثكم إلا كما سمعناه ما حدثناكم بحديثين ، ولكن إذا جاء حلاله وحرامه فلا بأس . (6)

(ز) قال الحسن : " لا بأس إذا أصبت معنى الحديث " . (1)

(ك) قال الحسن : " إذا أصبت معنى الحديث أجزأك " (2)

(ل) قال هشام : " كان الحسن يحدثني اليوم بحديث ، ويعيده من الغد فيزيد وينقص منه غير أن المعنى واحد " . (3)

 

 

(10) محمد بن سيرين (110هـ) :

(أ) قال : " كنت أسمع الحديث من عشرة ، المعنى واحد والألفاظ مختلفة " (4)

(ب) عن أيوب عن محمد بن سيرين قال : " ربما سمعت الحديث من عشرة كلهم يختلف ، اللفظ مختلف والمعنى واحد " (5)

 

 

(11) عمرو بن مرة (ـ 118 هـ) :

عن مسعر عن عمرو بن مرة قال : " إنا لا نستطيع أن نحدثكم الحديث كما سمعناه ولكن عموده ونحوه" (1) .

(12) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ـ 125 هـ) :

عن أبي أويس قال : سمعت الزهري يقول : " إذا أصبت المعنى فلا بأس " (2) وروي عنه خلاف ذلك .

(13) عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم (ـ 126 هـ) :

عن سفيان قال : " كان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى " . (3)

(14) عبدالله بن أبي نجيح المكي (ـ 131هـ) :

عن سفيان قال : " كان عمرو بن دينار وابن أبي نجيح يحدثان بالمعاني ".(4)

(15) جعفر بن محمد الصادق (ـ 148 هـ) :

عن جعفر بن محمد قال : " إن رجلين يأتيان من أهل الكوفة فيشددان علي في الحديث فما أجيء به كما سمعته إلا أني أجيء بالمعنى " . (5)

 

(16) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري (ـ 161 هـ) :

(أ) عن الفريابي قال : سمعت سفيان يقول : " لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد " . (1)

(ب) وقال وكيع : سأل رجل سفيان عن حديث ، فقال له سفيان : " إذا أصبت الإسناد فلا تبال كيف حدثت به " . (2)

(ج) وعن عبدالرزاق قال قلت لسفيان الثوري : حدثنا بحديث ابن الزعراء كما سمعت قال : " يا سبحان الله ومن يطيق ذلك ؟ إنما نجيئكم بالمعنى " . (3)

(د) وقال زيد قال سفيان : " إذا ذهبت أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني (4) ، إن قلت لكم إني أحدثكم كما سمعت فلا تصدقوني " (5)

(هـ) وقال عبدالرزاق قال صاحب لنا لسفيان الثوري حدثنا كما سمعت فقال:"لا والله ما إليه سبيل ، وما هو إلا المعنى " . (6)

 

(و) وعن عبدالله بن المبارك قال : " علمنا سفيان اختصار الحديث (1)

(ز) وعن يحيى بن آدم قال : "سمعت الثوري يقول : " إنا نحدثكم بالمعاني " (2)

قال أبو رجاء قتيبة : " وكان حماد بن زيد يحدث على المعنى،يسأل عن حديث في النهار كذا أو كذا يغير اللفظ " . (3)

(17) وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي (ـ 196 هـ) :

قال : " إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس " . (4)

(18) يحيى بن سعيد القطان (ـ 198 هـ) :

(أ) قال أحمد بن محمد الأزهر : سمعت أزهر بن جميل يقول : كنا عند يحيى بن سعيد ومعنا رجل يتشكك ، فقال له يحيى : " يا هذا إلى كم هذا ؟ ليس في يد الناس أشرف ولا أجل من كتاب الله تعالى ، وقد رخص فيه على سبعة أحرف " . (5)

(ب) وقال عبيد الله بن سعيد : سمعت يحيى بن سعيد يقول :" أخاف أن يضيق على الناس تتبع الألفاظ ، لأن القرآن أعظم حرمة ، ووسع أن يقرأ على وجوه إذا كان المعنى واحد " (6)

 

(ج) قال سفيان :" وجعل رجل يسأل يحيى بن سعيد القطان عن حرف في الحديث على لفظه ، فقاله له يحيى : يا هذا ؛ ليس في الدنيا أجل من كتاب الله تعالى ، قد رخص للقراءة فيه بالكلمة على سبعة أحرف . فلا تشدد !"(1)

(19) سفيان بن عيينة (ـ 198 هـ) :

(أ) قال علي بن خشرم : " كان ابن عيينة يحدثنا ، فإذا سئل عنه بعد ذلك حدثنا بغير لفظه الأول والمعنى واحد " . (2)

(ب) وقال : إذا رأيتم الرجل يشدد في ألفاظ الحديث في المجلس ، فاعلم أنه يقول : اعرفوني !(3)

(20) محمد بن مصعب القرقسائي (ـ208 هـ) :

عن سعيد بن رحمة الأصبحي قال : " كان محمد بن مصعب القرقسائي يقول : " ايش تشددون على أنفسكم ؟ إذا أصبتم المعنى فحسبكم".(4)

(21) عبيد الله بن عبدالكريم أبو زرعة الرازي (ـ 264 هـ) :

عن سعيد بن عمرو البرذعي ، قال : قلت لأبي زرعة إذا سمعتك تذاكر بالشيء عن بعض المشيخة قد سمعته من غيرك فأقول ثنا أبو زرعة وفلان ، وإنما ذاكرتني أنت بالمعنى والإسناد ؟

قال: أرجو

 

 

قلت : فإن كان حديثا طويلا ؟

قال : فهذا أضيق .

قلت : فإن قلت حدثنا فلان وأبو زرعة نحوه ؟

فسكت " (1)

(22) محمد بن إدريس الحنظلي أبو حاتم الرازي (ـ 277 هـ) :

قال أبو حاتم :"لم أر من المحدثين من يحفظ ويأتي بالحديث على لفظه لا يغيره سوى قبيصة وأبي نعيم ، في حديث سفيان ، وسوى يحيى الحماني في حديث شريك ، وعلي بن الجعد في حديثه " (2)

(23) محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ـ 279 هـ) :

(أ) قال بعد إيراده لحديث ابن مسعود "نضر الله امرأ سمع منا حديثا فبلغه كما سمع منا فإنه رب مبلغ أوعى من سامع" قال ما نصه :"اقتضى العلماء الأداء ، وتبليغ العلم ، فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان ، ولا تقديم ولا تأخير ، كانو يستودعونها الصحف ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، فكان إذا نزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع ما توكل الله له بجمعه وقرآنه فقال : (إن علينا جمعه وقرآنه) (القيامة /17) وقال : (وإنا له لحافظون) (الحجر/9) فكان الوحي محروساً بكتبه ، ولو كانت هذه الأحاديث سبيلها هكذا ، لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل جاءنا عن أحمد منهم أنه فعل ذلك ؟ وجاء عن عبدالله ابن عمرو رضى الله عنهما ، أنه استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيفة فــأذن لـــه ،

 

 

 

وأما سائر الأخبار فإنهم تلقوها منها حفظاً وأدوها حفظاً ، فكانوا يقدمون ويؤخرون ، وتختلف ألفاظ الرواية فيما لا يتغير معها فلا أنكر ذلك منهم ، ولا يرون بذلك بأساً .

(ب) وقال أيضاً بعد إيراد حديث أبي هريرة وعبد الله بن أكيمة :"فمن أراد أن يؤدي إلى من بعده حديثاً قد سمعه ، جاز له أن يغير لفظه ما لم يتغير المعنى" (1)

(24) الإمام أحمد بن فارس الرازي (ـ 395 هـ) :

قال :"هذا التثبت حسن ، لكن أهل العلم يتساهلون إذا أدوا المعنى ، ويقولون :لو كان أداء اللفظ واجبا حتى لا يغفل منه حرف ، لأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بإثبات ما يسمعون منه ، كما أمرهم بإثبات الوحي الذي لا يجوز تغيير معناه ولا لفظه ، فلما لم يأمرهم بإثبات ذلك ، دل على أن الأمر في التحديث أسهل ، وإن كان أداء ذلك اللفظ الذي سمعه أحسن " أهـ(2)

(25) الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي (ـ 360 هـ) :

قال معلقا على كلام الشافعي على صفات الراوي :"وقد دل قول الشافعي في صفة المحدث مع رعاية اتباع اللفظ على أنه يسوغ للمحدث أن يأتي بالمعنى دون اللفظ :

·        إذا كان عالما بلغات العرب ووجوه خطابها .

·        بصيراً بالمعاني والفقه .

·        عالماً بما يحيل المعنى وما لا يحيله .

 

فإذا كان بهذه الصفة جاز له نقل اللفظ ، فإنه يحترز بالفهم عن تغيير المعاني وإزالة أحكامها ، ومن لم يكن بهذه الصفة كان أداء اللفظ له لازما ، والعدول عن هيئة ما يسمعه عليه محظورا ، وإلى هذا رأيت الفقهاء من أهل العلم يذهبون.(1)

(26) الخطيب أبو بكر أحمد بن علي البغدادي (ـ 463 هـ) :

قال :" ورواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديث غيره على المعنى جائزة عندنا إذا كان الراوي:

·        عالماً بمعنى الكلام أو موضوعه .

·        بصيراً بلغة العرب ووجوه خطابها .

·        عارفاً بالفقه واختلاف الأحكام .

·        مميزاً لما يحيل المعنى وما لا يحيله .

·        وكان المعنى أيضا ظاهراً معلوماً .

أما إذا كان غامضاً محتملا ، فإنه لا يجوز رواية الحديث على المعنى ، ويلزم إيراد اللفظ بعينه وسياقه على وجهه ، وقد كان في الصحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ من يتبع روايته الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول :"نحوه" أو "شكله" أو" كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " والصحابة أرباب اللسان وأعلم الخلق بمعاني الكلام ، ولم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوفا من الزلل ، لمعرفتهم بما في الرواية على المعنى من الحظر ، والله أعلم أهـ. (2)

فيستفاد من كلام الخطيب أن الرواية بالمعنى تجوز بشروط خمسة :

 

(27) الغزالي (ـ 505 هـ) :

قال :"نقل الحديث بالمعنى دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ ، أما العالم بالفرق بين المحتمل وغير المحتمل ، والظاهر والأظهر ، والعام والأعم ، فقد جوز له الشافعي ومالك وأبو حنيفة وجماهير الفقهاء أن ينقله على المعنى إذا فهمه " (1)

(28) أبو عمرو عثمان الشهرزوري ابن الصلاح (643 هـ) :

قال :"الخامس : إذا أراد رواية ما سمعه على معناه دون لفظه فإن لم يكن عالماً بالألفاظ ومقاصدها ، خبيراً بما يحيل معانيها بصيراً بمقادير التفاوت بينها ، فلا خلاف أنه لا يجوز له ذلك ، وعليه ألا يروي ما سمعه إلا على اللفظ الذي سمعه من غير تغيير .

فأما إذا كان عالماً عارفاً بذلك مما اختلف فيه السلف وأصحاب الحديث وأرباب القفه والأصول ، فجوزه أكثرهم ، ولم يجوزه بعض المحدثين وطائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعيين وغيرهم ، ومنعه بعضهم في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجازه في غيره ، والأصح جواز ذلك في الجميع ، إذا كان عالماً بما وصفناه ، قاطعاً بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه ، لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين ، وكثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة ، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ .

ثم إن هذا الخلاف لا نراه جاريا ولا أجراه الناس ـ فيما نعلم ـ فيما تضمنته بطون الكتب ، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ويثبت بدله فيه لفظا آخر بمعناه ، فإن الرواية بالمعنى رخص فيها من رخص ، لما كان عليهم في ضبط الألفاظ والجمود عليها من الحرج والنصب ، وذلك غير موجود فيمـــا اشتملت عليه

 

(29) أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي (ـ 671 هـ) :

قال :"والقول بالجواز هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، وذلك لأن المعلوم من سيرة الصحابة رضى الله عنهم هو أنهم كانوا يروون الوقائع المتحدة بألفاظ مختلفة،وما ذاك إلا أنهم كانوا يصرفون عنايتهم للمعاني ولم يلتزموا التكرار على الأحاديث ولا كتبها ...

اتفق العلماء على جواز نقل الشرع للعجم بلسانهم وترجمته لهم ، وذلك هو النقل بالمعنى ، وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قص من أنباء ما قد سلف ، فقص قصصاً ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي ، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير ، والحذف والإلغاء ، والزيادة والنقصان وإذ جاز إبدال العربية بالعجمية فأن يجوز بالعربية أولى ، احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي وهو الصحيح في الباب " . (2)

(30) أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ـ 774 هـ) :

قال :" وأما إن كان عالما بذلك ـ أي بما يحيل المعنى ـ بصيراً بالألفاظ ومدلولاتها،وبالمترادف من الألفاظ ونحو ذلك : فقد جوز ذلك جمهور الناس سلفاً وخلفاً،وعليه العمل،كما هو المشاهد في الأحاديث الصحيحة وغيرها،فإن الواقعة تكون واحدة ، وتجيء بألفاظ متعددة ، من وجوه مختلفة متباينة .

ولما كان هذا قد يوقع في تغيير بعض الأحاديث ، منع من الرواية بالمعنى طائفة آخرون من المحدثين والفقهاء والأصوليين ، وشددوا في ذلك آكد التشديد.

 

وكان ينبغي أن يكون هذا هو الواقع ، ولكن لم يتفق ذلك . والله أعلم "(1)

(31) العراقي (ـ 806هـ) :

وليرو (2) بالألفاظ(3) من (4) لا يعلم(5)              مدلولها و(6) غيره(7)  فالمعظــم (8)

أجاز بالمعنى(9)وقيل لا(10)الخبر(11)                 والشيخ في التصنيف قطعا قد حظر وليقل الراوي بمعنى أو كما                       قال ونحوه كشك أبهما               

قال : لا يجوز لمن لم يعلم مدلول الألفاظ ، ومقاصدها وما يحيل معانيها أن يروي ما سمعه بالمعنى دون اللفظ بلا خلاف بل يتقيد بلفظ الشيخ ، فإن كان عالما بذلك جازت له الرواية ، بالمعنى عند أكثر أهل الحديث والفقه والأصول ومنع بعض أهل الحديث والفقه مطلقاً.

فيتحصل من كلام الحافظ العراقي ثلاثة أقوال هي :

1.                 عدم الجواز لمن لا يعلم مدلول الألفاظ .

2.                 الجواز لمن كان عالماً عند أكثر أهل الحديث والفقه والأصول .

3.                 المنع مطلقاً ، عند بعض أهل الحديث والفقه .

 

 

ثم قال : وقولي (وغيره) ليست الواو للعطف بل للاستئناف أي وأما غيره وهو الذي يعلم مدلول الألفاظ .

وقولي (وقيل لا الخبر) أي وقيل لا تجوز الرواية بالمعنى في الخبر وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويجوز في غيره.

والقول الأول هو الصحيح ، وقد روينا عن غير واحد من الصحابة التصريح بذلك ويدل على ذلك روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة،وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في حديث الصحابة من حديث عبدالله بن سليمان بن أكيمة الليثي ، ثم ساق الحديث.(1)

(32) أحمد بن حجر العسقلاني (ـ 852 هـ):

قال : لا وأما الرواية بالمعنى ، فالخلاف فيها شهير ، والأكثرون على الجواز أيضاً ، ومن أقوى حججهم الإجماع على شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى ، فجوازه باللغة العربية أولى .

ـ وقيل : إنما يجوز في المفردات ، دون المركبات .

ـ وقيل : إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه .

ـ وقيل : إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه وبقي معناه مرتسماً في ذهنه

فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم منه ، بخلاف من كان مستحضرا للفظه . وجميع ما تقدم يتعلق بالجواز وعدمه ، ولا شك أن الأولى إيراد الحديث بألفاظه ، دون التصرف فيه " أهـ .(2)

 

(33) محمد بن عبدالرحمن السخاوي (ـ902 هـ) :

قال السخاوي بعد ذكره للمذاهب المختلفة في حكم رواية الحديث بالمعنى مرجحاً جواز الرواية بالمعنى قال :"والمعتمد الأول ، وهو الذي استقر عليه العمل،والحجة فيه أن في ضبط الألفاظ والجمود عليها ما لا يشفي من الحرج والنصب المؤدي إلى تعطيل الانتفاع بكثير من الأحاديث ، حتى قال الحسن : لولا المعنى ما حدثنا ، وقال الثوري : لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحرف واحد . وقال وكيع : إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس ، ثم ساق قول الشافعي وواثلة وحماد بن سلمة.(1)

(34) الدهلوي (ـ1052 هـ) :

قال :"وفيه اختلاف ـ أي رواية الحديث ونقله بالمعنى ـ فالأكثرون على أنه جائز ممن هو عالم بالعربية ، وما هو في أساليب الكلام ، وعارف بخواص التراكيب ، ومفهومات الخطاب لئلا يخطئ بزيادة ونقصان".(2)

(35) أحمد شاكر (ـ1377 هـ) :

قال في الباعث الحثيث :"اتفق العلماء على أن الراوي إذا لم يكن عالماً بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها ، ولا خبيراً بما يحيل معانيها ، ولا بصيراً بمقادير التفاوت بينها لم تجز له رواية ما سمعه بالمعنى ، بل يجب أن يحكي اللفظ الذي سمعه من غير تصرف فيه ، هكذا نقل ابن الصلاح والنووي وغيرهما الاتفاق عليه .

ثم اختلفوا في جواز الرواية بالمعنى للعارف العالم :

(1) فمنعها أيضاً كثير من العلماء بالحديث والفقه والأصول .

(2) وبعضهم قيد المنع بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم المرفوعة ، وأجازها فيما سواها ، وهو قول مالك ، رواه عنه البيهقي في المدخل .

 

وروي عنه أيضاً أنه كان يتحفظ من الباء والياء والتاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبه قال الخليل بن أحمد ، واستدل له بحديث : (رب مبلغ أوعى من سامع) فإذا رواه بالمعنى فقد أزاله عن موضوعه ومعرفة ما فيه .

 

(3) وذهب بعضهم إلى جواز تغيير كلمة بمرادفها فقط .

(4) وذهب آخرون إلى جوازها إن أوجب الخبر اعتقاداً ، وإلى منعها إن أوجب عملاً.

(5) وقال بعضهم بجوازها إذا نسي اللفظ وتذكر المعنى ، لأنه وجب عليه التبليغ ، وتحمل اللفظ والمعنى ، وعجز عن أداء أحدهما ، فيلزمه أداء الآخر .

(6) وعكس بعضهم ، فأجازها لمن حفظ اللفظ ، ليتمكن من التصرف فيه دون من نسيه " .

ثم قال بعد ما تقدم : " وبعد :

فإن هذا الخلاف لا طائل تحته الآن ، فقد استقر القول في العصور الأخيرة على منع الرواية بالمعنى عملاً ، وإن أخذ بعض العلماء بالجواز نظراً . قال القاضي عياض :"ينبغي سد باب الرواية بالمعنى ، لئلا يتسلط من لا يحسن ، ممن يظن أنه يحسن ، كما وقع للرواة قديماً وحديثاً".

والمتتبع للأحاديث يجد أن الصحابة ـ أو أكثرهم ـ كانوا يروون بالمعنى ، ويعبرون عنه في كثير من الأحاديث بعباراتهم ، وأن كثيراً منهم حرص على اللفظ النبوي ، خصوصاً فيما يتعبد بلفظه ، كالتشهد ، والصلاة ، وجوامع الكلم الرائعة ، وتصرفوا في وصف الأفعال والأحوال وما إلى ذلك .

وكذلك نجد التابعين حرصوا على اللفظ ، وإن اختلفت ألفاظهم ، فإنما مرجع ذلك إلى قوة الحفظ وضعفه ، ولكنهم أهل فصاحة وبلاغة ، وقد سمعوا ممن شهد أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ألفاظه .

وأما من بعدهم ، فإن التساهل عندهم في الحرص على الألفاظ قليل ، بل أكثرهم يحدث بمثل ما سمع ، ولذلك ذهب ابن مالك ، النحوي الكبير ـ إلى الاحتجاج بما ورد في الأحاديث على قواعد النحو ، واتخذها شواهد كشواهد الشعر ، وإن أبى ذلك أبو حيان رحمه الله ، والحق ما اختاره ابن مالك .

وأما الآن ، فلن تر عالماً يجيز لأحد أن يروي الحديث بالمعنى ، إلا على وجه التحدث في المجالس ، وأما الاحتجاج وإيراد الأحاديث رواية فلا .

ثم إن الراوي ينبغي له أن يقول عقب رواية الحديث " (أو كما قال) ، أو كلمة تؤدي هذا المعنى ، احتياطياً في الرواية ، خشية أن يكون الحديث مروياً بالمعنى ، وكذلك ينبغي له هذا إذا وقع في نفسه شك في لفظ ما يرويه ، ليبرأ من عهدته .(1)

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــ

(1)         انظر نسبة هذا الرأي للجمهور في الكفاية (ص/201) ، الإلماع (ص/178) ، منهج النقد (ص/202)

(2)         الإلماع (ص/178) .

(3)         رواه البيهقي في المدخل كما في تدريب الراوي (2/100) ، وانظر فتح المغيث (2/242) ، وقواعد التحديث (ص/223) .

(4)    أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/309ـ310) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)     أخرجه ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (2/9ـ11) . وابن عبدالبر في جامع بيان العلم ـ باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف ـ (1/64) .

(2)     أخرجه الخطيب ـ في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/309) .

(3)            أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/537) ، رقم (700) .

(4)            رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (ص/531) ، والقرطبي في تفسيره (1/411) .

 

 

 

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)         رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/533ـ534) ـ رقم (688) .

(2)    أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/534) ـ رقم (689) . والخطيب في الكفاية في علم الروايةـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311)، والبيهقي في المدخل كما في التدريب (2/100) ، وابن عبدالبر ـ جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/80) ، وانظر تدريب الراوي (2/100) ، وقواعد التحديث (ص/223) .

(3)    أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في التقديم والتأخير ـ (ص/542ـ543) رقم (714) و (715) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف (ص/315) .

(4)    أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/312) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/313) .

(2) أي : اينا يطيق الا يخطئ .

(3) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب في التقديم والتأخير ـ (ص/542) رقم (713) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/313) ، وانظر الطبقات لابن سعد (7/158) .

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف (ص/313ـ314) ، والبيهقي في المدخل كما في تدريب الراوي (2/100) ، وانظر قواعد التحديث (ص/223) .

(5) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى (2/31) ـ رقم (1092) ، وفي الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف (ص/312) ، والبيهقي في المدخل كما في تدريب الراوي (2/100) ، وانظر قواعد التحديث (ص/223) .

(6) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى (2/32) ـ رقم (1093) ، وانظر قواعد التحديث (ص/221) .


  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/312) ، وفي الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى (2/32) ـ رقم (1094) ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (1/412).

(2) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/533) رقم (686)،والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (2/32) ـ رقم (1095)،وفي الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/313)،وانظر قواعد التحديث (ص/221).

(3) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/532) رقم (687)،والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/312).

(4) فائدة : من المعلوم أن ابن سيرين من المانعين للرواية بالمعنى ومع هذا شهد للذين سمع منهم بالمعنى مع كثرة اختلافهم في اللفظ بأنه لم يخطئ أحد منهم المعنى ؛ ولهذا لما ذكر له أن الحسن والشعبي والنخعي يروون بالمعنى اقتصر على قوله : " أنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل ". الأنوار الكاشفة (ص/82).

(5) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/534) ـ رقم (690)،والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311)،وانظر فتح المغيث (2/242)،وجامع بيان العلم وفضله (1/78)،وقواعد التحديث (ص/221)، والخلاصة في أصول الحديث (ص/113).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/314).

(2) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز الرواية على المعنى ـ (2/32) ـ رقم (1096).

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311)،وانظر تدريب الراوي (2/101).

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311).

(5) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/314) .

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/32) ـ حديث رقم (1097)،وفي الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/315).

(2) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/32) ـ حديث رقم (1098).

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/314).

(4) قال زيد : يعني أنه يحدث على المعاني .

(5) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/315) ، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن (1/412) ، والطيبي في الخلاصة في أصول الحديث (ص/113).

(6) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/315).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في التقديم والتأخير ـ (ص/543) رقم (716) .

(2) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/535) رقم (694).

(3) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/33) رقم (1100)،والكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/316).

(4) أحكام القرآن للقرطبي (1/412)،والخلاصة في أصول الحديث للطيبي (ص/113) ، وتدريب الراوي (2/101)،وقواعد التحديث (ص/223).

(5) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السف ـ (ص/316) .

(6) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/316).

 .ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قواعد التحديث (ص/221ـ222).

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/316).

(3) قواعد التحديث (ص/221) .

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/210).

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/317).

(2) الميزان (3/383).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) نوادر الأصول (2/549ـ550).

(2) قواعد التحديث (ص/224) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الرسالة (ص/370ـ371) ، المحدث الفاصل (ص/530) رقم (681).

(2) الجامع لأخلاق الراوي (2/34).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المستصفى (1/68).

بطون الأوراق والكتب ، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ ، فليس يملك تصنيف غيره.(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) علوم الحديث لابن الصلاح (ص/214).

(2) الجامع لأحكام القرآن (1/412ـ413).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) اختصار علوم الحديث (ص/119).

(2) ليرو : وجوبا بلا خلاف .

(3) بالألفاظ : التي سمع بها بمعانيها .

(4) من : تحملها وهو .

(5) لا يعلم مدلولها : ومقاصدها إذ لو روى بالمعنى لم يؤمن من الخلل .

(6) و : اما .

(7) غيره : وهو من يعلم ذلك .

(8) فالمعظم : من أهل الحديث والفقه والأصول أجاز له الرواية .

(9) بالمعنى : ولو في الخبر أو حفظ اللفظ أو أتى بلفظ غير مرادف أو كان المعنى غامضا.

(10) وقيل : لا يجوز له ذلك في الخبر .

(11) الخبر : أي خبر النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز له في غيره وقيل غير ذلك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) شرح ألفية العراقي التبصرة والتذكرة  (2/168ـ170).

(2) شرح النخبة (ص/105ـ106) ، وقواعد التحديث (ص/224) .

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح المغيث (2/245ـ246).

(2) مقدمة في أصول الحديث (ص/50).

   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الباعث الحثيث (ص/119ـ120).

 

أدلة القائلين بالجواز

لم يكن الصحابة والتابعون بدعا في رواية بعض الأحاديث بمعناها ، بل وجدوا دليل الجواز في منهج القرآن الكريم وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأذكر بعض الأدلة في ذلك :

·        الدليل الأول :

قوله تعالى (وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون)    (البقرة /58ـ59).

·        وجه الدلالة :

قال القرطبي :"استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يخلو أن يقع التعبد بلفظها أو بمعناها ، فإن كان التعبد وقع بلفظها ، فلا يجوز تبديلها ، لذم الله تعالى من بدل ما أمره بقوله . وإن وقع بمعناها جاز تبديلها بما يؤدي إلى ذلك المعنى ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه .(1)

ويقصد مع الشروط التي تقدمت في المدخل من العلم بلغة العرب وبيانها... الخ

·        الدليل الثاني :

قول الرسول صلى الله عليه وسلم : "أنزل القرآن على سبعة أحرف ، فاقرؤوا ما تيسر منه".(2)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الجامع لأحكام القرآن (1/411) .

(2) رواه البخاري في صحيحه ـ كتاب الخصومات ـ باب كلام الخصوم بعضهم في بعض ـ(5/73) ـ حديث رقم (2419). ومسلم في صحيحه ـ كتاب صلاة المسافرين وقصرها ـ باب بيان ان القرآن على سبعة أحرف وبيان معناه ـ (1/560) ـ حديث رقم (818).

 

·        وجه الدلالة :

قال الإمام الشافعي :"وذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ،علمنا منه بأن الكتاب قد نزل لتحل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم (1) فيه ما لم يكن اختلافهم إحالة المعنى ، كان ما سوى كتاب الله سبحانه أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ، ما لم يحل معناه".

وقال يحيى بن سعيد القطان : القرآن أعظم من الحديث ، ورخص أن تقرأه على سبعة أحرف " (2)

يعني بالشروط التي مضى ذكرها في المدخل .

·        الاعتراض على الدليل :

أولاً : إن هذا الاستثناء لا يقاس عليه .

ثانياً : إن اختلاف القراءات في القرآن إنما هو اختلاف يسير في النطق ، وغالبا ما يكون الرسم متشابها فلا يصل إلى درجة الاتيان بكلمة ، ومرد ذلك الى اختلاف لهجات العرب.

·        الدليل الثالث :

احتج حماد بن سلمة بأن الله تعالى أخبر عن موسى عليه السلام وعدوه فرعون بألفاظ مختلفة في معنى واحد ، كقوله : (بشهاب قبس) (النمل/7) و(بقبس أو أجد على النار هدى) (طه/10) وكذلك قصص الأنبياء عليهم السلام في القرآن وقولهم لقومهم بألسنتهم المختلفة ، وإنما نقل إلينا ذلك بالمعنى ، وقد قال أبي بن كعب ، كما أخرج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) يعني باختلاف اللهجات لا أن يرووه بالمعنى .

(2) تدريب الراوي (2/99) ، وفتح المغيث (2/246) ، وقواعد التحديث (ص/222).

 

أبو داود " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر (بسبح اسم ربك الأعلى)،و(قل للذين كفروا) ، و(الله الواحد الصمد) " فسمى السورتين الأخيرتين بالمعنى.(1)

وقال الرامهرمزي ـ عند الكلام على مذهب المجيزين لرواية الحديث على المعنى ـ :"ومن الحجة لمن ذهب إلى هذا المذهب ، أن الله عزل وجل قد قص من أنباء ما قد سبق قصصا كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة ، والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير ، والحذف والإلغاء ، والزيادة والنقصان وغير ذلك . (2)

وجرى بين محمد بن مسلمة بن مسعدة ومحمد بن منصور قاضي الأهواز مناقشة حول هذا الموضوع . فقال محمد بن مسلمة :"ثلاثة يشددون في الحروف ، وثلاثة يرخصون فيها ، فممن رخص فيها الحسن ، وكان الحسن يقول :"يحكي الله تعالى عن القرون السالفة بغير لغتها ، أفكذب هو !؟ وكان محمد بن منصور متكئاً ، فاستوى جالساً ، ثم أخذ بمجامع كفه ، وقال : وقال : ما أحسن هذا ! أحسن الحسن جداً .(3)

·        الاعتراض على الدليل :

أن علام الغيوب يعلم يقينا مدلول هذه الأخبار ، فيخبر عنها بما يوافق نية المتكلم قطعا ، فلا يقاس فعله جل وعلا بفعل البشر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح المغيث (2/246).

(2) المحدث الفاصل (ص/530) .

(3) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في تقويم اللحن بإصلاح الخطأ ـ (ص/530ـ531) ـ رقم (682) ، وابن الجوزي في الموضوعات ، كما في الإصابة (2/73)،وفتح المغيث (3/145).

 

 

·        الدليل الرابع :

عن خالد بن دريك عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعداً ، قيل يا رسول الله وهل لها من عينين ؟ قال ألم تسمع إلى قول الله عز وجل (إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيراً) فأمسك القوم أن يسألوه فأنكر ذلك من شأنهم وقال ما لكم لا تسألوني ؟ قالوا : يا رسول الله سمعناك تقول : " من تقول علي مالم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا" ، ونحن لا نحفظ الحديث كما سمعناه ، نقدم حرفا ونؤخر حرفا ونزيد حرفا وننقص حرفا ، قال ليس ذلك أردت ، إنما قلت من تقول علي ما لم أقل يريد عيبي وشين الإسلام أو شين الإسلام " (1)

·        الاعتراض على هذا الدليل :

بالنسبة لدليلهم الرابع : فإن الحديث باطل كما قال الجوزجاني (2) في (الأباطيل والمناكير) حيث قال : خالد بن دريك لم يسمع شيئاً من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأحمد بن عبدالله ابن محمد ضعيف الحديث ، والحديث ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة .(3) الدليل الخامس :

عن أبي أمامة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم" فشق ذلك على الصحابة فقالوا : يا رسول الله إنا نحدث عنك بالحديث فنزيد فيه وننقص . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ـ الباب الثاني في قوله صلى الله عليه وسلم " من كذب على متعمداً " ـ (1/91ـ92)،والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/96ـ97) ـ حديث رقم (89) .

(2) الأباطيل والمناكير (1/94ـ95).

(3) سلسلة الأحاديث الضعيفة (2/423).

قال :(ليس ذلك أعنيكم إنما أعني الذي يكذب على يريد عيبي وشين الإسلام).قالوا : يارسول الله أولجهنم عينان ؟قال : (ألم تسمعوا إلى قول الله عز وجل (إذا رأتهم من مكان يعيد سمعوا لها ... ) فهل تراهم إلا بعينين ) (1).

·        الاعتراض على الدليل :

بالنسبة لدليلهم الخامس : فقد نقل الجوز جانب في الأباطيل والمناكير قول يحيى بن معين وأحمد في محمد بن الفضل . قال أحمد عنه : "ليس بشيء" . وقال ابن معين: "كذاب" . وقال عنه عمرو بن علي :"متروك الحديث كذاب"(2) وقال صالح جزرة :"كان يضع الحديث".

·        الدليل السادس :

عن عبدالله بن سليمان بن أكيمة الليثي عن أبيه عن حده قال : "قلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله ، إنا لنسمع الحديث فلا نقدر على تأديته كما سمعناه . قال : إذا لم تحلوا حراماً ولم تحرموا حلالاً فلا بأس" فذكر ذلك للحسن فقال : لولا هذا ما حدثنا . (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات ـ الباب الثاني في قوله عليه السلام (من كذب علي متعمداً) ـ (1/95) والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/92ـ93) ـ حديث رقم (87).

(2) الأباطيل والمناكير (1/94ـ96) ، وفتح المغيث (2/246ـ247).

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية على المعنى ـ (ص/302) ، والجوزجاني في الأباطيل ـ كتاب العلم ـ باب التحديث ـ (1/97ـ98)،حديث رقم (91،92) ، والطبراني في المعجم الكبير ـ (7/117) ـ رقم (6491)، وابن منده في معرفة الصحابة كذا قال السيوطي في التدريب (2/99) ، وابن الملقن في المقنع ـ (1/373) ، وذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة ـ (1/71ـ72) ، و(4/245) ، وانظر توجيه النظر ـ (ص/99) ، وقواعد التحديث(ص/208).

 

·        الاعتراض على الدليل :

بالنسبة لدليلهم السادس : فالحديث ضعيف الإسناد ، فيه من لا يعرف كما في مجمع الزوائد مع اختلاف في إسناده .(1)

وإسناد الخطيب منقطع ، وذلك لأن ابن دريك من أتباع التابعين ، كما قال ابن حبان ، وهو لم يلق أحدا من الصحابة ، فيكون بين ابن دريك وبين الرجل راو واحد على الأقل ، وهو لم يسم فهو مجهول .(2)

وقال الجوزجاني عقب ذكره الحديث :"هذا حديث باطل وفي اسناده اضطراب" وحكى الخلاف فيه ، ثم قال :"سليمان بن أكيمة مجهول".(3)

وقال السخاوي في فتح المغيث :"هذا حديث مضطرب لا يصح".(4)

نقول : وفيه الوليد بن سلمة الفلسطيني ، قال دحيم وغيره : "كذاب" ، وقال ابن حبان : "يضع الحديث" .

هذا بالنسبة لحال السند ، أما الكلام على المتن ففيه ما يشعر بأن التقول على النبي صلى الله عليه وسلم لا بأس به إذا لم يكن في شين الإسلام وعيب النبي صلى الله عليه وسلم ، فكأنه من وضع الكرامية الذين كانوا يرون جواز الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ، فإذا أنكر ذلك عليهم بقوله صلى الله عليه وسلم :( من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " قالوا :"ما كذبنا عليه إنما كذبنا له ) (5)

ثم إن المراد نفي البأس في العمل بمقتضى ما دل عليه الحديث ، لا النقل عنه .(6)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مجمع الزوائد (1/154).

(2) الموضوعات لابن الجوزي (1/95) .

(3) الأباطيل والمناكير (1/97ـ98) .

(4) فتح المغيث (2/247) .

(5) تيسير مصطلح الحديث (ص/93) .

(6) توجيه النظر (ص/304) .

·        الدليل السابع :

عن عبدالله بن مسعود قال : " سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنك تحدثنا حديثا لا نقدر أن نسوقه كما سمعناه .

فقال : إذا أصاب أحدكم المعنى فليحدث " .(1)

·        الاعتراض على الدليل السابع :

الحديث : في إسناده عبدالعزيز بن عبدالرحمن البالسي ، اتهمه أحمد .

·        الدليل الثامن :

واستدلوا بما يروي عن ابن مسعود ، وأبي الدرداء ، وأنس بما كانوا يقولونه بعد الحديث ، مثل : قريباً من ذلك ، أو نحو ذلك ، أو شبه ذلك أو كما قال ، وإليك البيان:

أولاً : حديث عبدالله بن مسعود :

(أ) كان عبدالله بن مسعود يمكث السنة لا يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته الرعدة ويقول : أو هكذا أو نحوه أو شبهه .(2)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/302).

(2) أخرجه الدارمي ـ في سننه ـ المقدمة ـ باب من هاب الفتيا مخافة السقط ـ (1/83ـ84) ، والحاكم ـ في مستدركه ـ كتاب العلم ـ باب التوقي عن كثرة رواية الحديث ـ (1/110ـ111) ، وكتاب معرفة الصحابة ـ باب ذكر ما أوصى به عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ـ (3/314). والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ (ص/310)،وابن عبدالبر في جامع بيان العلم ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث ـ وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79) ، وانظر فتح المغيث (2/249) ، وتدريب الراوي (2/103) ، وعلوم الحديث (ص/189) ، والإلماع (ص/177).

(ب) وفي رواية أنه كان إذا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هكذا أو نحوا من هذا أو قريباً من هذا ، وكان يرتعد .(1)

(ج) عن عامر قال كان عبدالله لا يقول :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم،فإذا قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ،قال:هكذا أو نحوا من هذا أو قريبا من هذا ، وكان يرتعد" (2)

ثانياً : حديث أبي الدرداء :

(أ) عن أبي إدريس الخولاني قال :" رايت أبا الدرداء إذا فرغ من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هذا ، أو نحو هذا ، أو شكله " . (3)

(ب) وعن ربيعة بن يزيد ، عن أبي الدرداء قال :" كان إذا حدث بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اللهم إلا هكذا ، فكشكله واللفظ لحديث معن"(4)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79)،وابن ماجه في سننه ـ المقدمة ـ باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ (1/10ـ11) ـ حديث رقم (23).

(2) أخرجه ابن ماجه في سننه ـ المقدمة ـ باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ (1/10ـ11)ـ حديث رقم (23) ، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي ـ باب ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34ـ35) رقم (1104).

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/310) ، وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35) ،رقم (1105) .

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/310) ، وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35) ، رقم (1106) ، وجامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/78).

ثالثاً : حديث أنس بن مالك :

(أ) قال محمد بن سيرين : كان أنس بن مالك قليل الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : وكان إذا حدث عنه قال : أو كما قال . (1)

(ب) عن محمد بن سيرين قال : "كان أنس بن مالك إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ففرغ منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ".(2)

·        الاعتراض على الدليل :

اعترض على هذا الدليل بأن الفرق واقع بين ما إذا أطلق ، أو قال كذا ، أو نحوه ، فإن فيه تصريحا بنقل المعنى ، وأن اللفظ له . (3)

·        الدليل التاسع :

نقل بعض أحاديث في وقائع متحدة بألفاظ مختلفة ، من غير إنكار من أحد ، بحيث كان إجماعاً ، والقصد قطعا من إيراد اللفظ إنما هو المعنى وهو حاصل ، وإن كان لفظ الشارع أبلغ وأوجز ، ويكفي في كونه معناه غلبه الظن وإلحاق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ الأذان والتشهد ونحوهما من التوقيفات لا دليل له ، كما قاله الخطيب .(4)ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ (ص/311)،وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/35)،رقم (1107) .

(2) أخرجه ابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/79) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى ـ (ص/206) وفي الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب من السلف إلى رواية الحديث على المعنى ـ (2/36)،رقم(1108) .

(3) جامع بيان العلم وفضله (ص/103) .

(4) فتح المغيث (2/247) ، وتوجيه النظر (ص/300).

·        الاعتراض على الدليل :

لا يحتج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث . وفهموا معانيها حقيقة ، فعبروا عنها بما أتفق لهم من العبارات ، إذا كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها .

وأما من بعدهم فالمحافظة أولى على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى ، وتسومح في العبارات والتحديث على المعنى انحل "النظم واتسع الخرق" .(1)

·        الدليل العاشر :

قال الحافظ ابن حجر :" ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانها للعارف به ، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى ، فجوازه باللغة العربية أولى".(2)

احتج بهذا المعنى الحسن والشافعي ، وهذا لأنا نعلم أنه لا تعبد في اللفظ ولا تحدي ، وإنما المقصود فهم المعنى وإيصاله إلى الخلق ، وليس ذلك كالتشهد وما تعبد فيه باللفظ كالدعاء (3)

وقال السخاوي ـ وأشار إليه ابن الحاجب ـ :"واستأنسوا للجواز بحديث مرفوع : "قلنا يا رسول الله إنا نسمع منك الحديث فلا نقدر ...".(4)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإلماع (ص/180) ، وتوجيه النظر (ص/300).

(2) تدريب الراوي (2/101) ،وتوجيه النظر (ص/300) ، وقواعد التحديث (ص/224).

(3) الحديث النبوي (ص/176) .

(4) فتح المغيث (2/246).

 

·        الاعتراض على الدليل :

قال السيوطي :"إن جواز ذلك هو أمر استثنائي ، لأن الشارع إما أن لا يبلغ العجم مطلقا،وفي ذلك تقصير بتبليغ الرسالة ، أو أن يطلب من العجم تعلم اللغة العربية ثم يبلغهم هذه الدعوة ، وهذا أمر غير ممكن ، وإما أن يبلغ بهذه الطريقة ، وأما جعل الإبدال باللغة العربية أولى من الإبدال باللغة الأجنبية فأعتقد أنه أمر غير وارد هنا . فإن هذا كمسألة التيمم ، فقد اجاز الشرع التيمم بالتراب عند فقد الماء ، فهل يقال إن التيمم بالماء حينئذ أولى من التراب ؟(1)

أما بالنسبة للحديث المرفوع (إنا نسمع منك الحديث..) فقد تقدم الكلام عليه عند الدليل الرابع والخامس .

·        الدليل الحادي عشر :

ويدل على ذلك أيضا اتفاق الأمة على أن للعالم يمعنى خبر النبي صلى الله عليه وسلم وللسامع بقوله ، أن ينقل معنى خبره بغير لفظه وغير اللغة العربية ، وأن الواجب على رسله وسفرائه إلى أهل اللغات المختلفة من العجم وغيرهم أن يرووا عنه ما سمعوه وحملوه مما أخبرهم به وتعبدهم بفعله على ألسنة رسله ، سيما إذا كان السفير يعرف اللغتين ، فإنه لا يجوز أن يكل ما يرويه إلى ترجمان وهو لا يعرف الخطاب بذلك اللسان لأنه لا يأمن من الغلط ، وقصد التحريف على الترجمات ، فيجب أن يرويه بنفسه .

وإذا ثبت ذلك صح أن القصد برواية خبره وأمره ونهيه إصابة معناه ، وامتثال موجبه دون إيراد نفس لفظه وصورته ، وعلى هذا الوجه لزم العجم وغيرهم من سائر الأمم دعوة الرسول إلى دينه والعلم بأحكامه ، ويدل على ذلك أنه إنما ينكر الكذب والتحريف

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تدريب الراوي .

 

على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغيير معنى اللفظ ، فإذا سلم راوي الحديث على المعنى من ذلك كان مخبراً بالمعنى المقصود من اللفظ ، وصادقاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبمثابة من أخبر عن كلام زيد وأمره ونهيه وألفاظه بما يقوم مقام كلامه وينوب منابه من غير زيادة ولا نقصان ، فلا يعتبر في أن راوي ذلك قد أتى بالمعنى المقصود ، وليس بكاذب ولا محرف ، وقد ورد القرآن بمثل ذلك ، فإن الله تعالى قص من أنباء ما قد سبق قصصا كرر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد ، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي وهو مخالف لها في التقديم والتأخير والزيادة والنقصان ونحو ذلك . (1)

·        الاعتراض على الدليل :

هذا الحديث كما قال الشيخ طاهر الجزائري :"فيه نظر ، فان السامع للترجمة يعلم ان المسموع ليس كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل معناه".(2)

·        الدليل الثاني عشر :

من أدلتهم أيضا أن كثيرا من الصحابة كانوا أميين لا يكتبون ، وقد رووا الأحاديث بعد زمان . فلا بد من أن تكون الألفاظ قد بدلت .(3)

·        الاعتراض على الدليل :

هذا كلام غير مسلم لأن الحديث كان يروي أولاً بأول لمن لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم لاشتغاله بمعاشه من تجارة أو زراعة أو نحوهما ، ثم هو كان يكتب بعد أن زال النهي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/303ـ304)،وانظر توجه النظر (ص/300).

(2) توجيه النظر (ص/304).

(3) الحديث النبوي (ص/177).

عن الكتابة كما أميتهم لم تمنعهم من الكتابة على أيدي المعروفين بها . ثم إن كون الصحابة أميين لا يعني أنهم لا يحفظون ، لأن الأمية وعدم القراءة والكتابة حافز على الحفظ والضبط ، والأمي أقدر على الحفظ من غيره غالباً .

·        المذهب الثاني :

جنح بعض العلماء إلى القول بأن رواية الحديث بالمعنى لا تجوز إلا للصحابة رضوان الله عليهم أجمعين

قال القاضي أبو بكر بن العربي (ـ 544هـ) :"إن هذا الخلاف إنما يكون في عصر الصحابة ومنهم ، وأما من سواهم ، فلا يجوز لهم تبديل اللفظ بالمعنى ، وإن استوفى ذلك المعنى ، فإنا لو جوزناه لكل أحد ، لما كنا على ثقة من الأخذ بالحديث ، إذ كل أحد إلى زماننا هذا قد بدل ما نقل ، وجعل الحرف بدل الحرف فيما رآه ، فيكون خروجا من الأخبار بالجملة .

والصحابة بخلاف ذلك ، فإنهم اجتمع فيهم أمران عظيمان :

·        أحدهما : الفصاحة والبلاغة ، إذ جبلتهم عربية ، ولغتهم سليقة .

·    الثاني : أنهم شاهدوا قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله ، فأفادتهم المشاهدة عقل المعنى جملة ، واستيفاء المقصد كله ، ليس من أخبر كمن عاين .

ألا تراهم يقولون في كل حديث : (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا) . و(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا) .

ولا يذكرون لفظه ؟ وكان ذلك خبرا صحيحا ، ونقلاً لازماً . وهذا لا ينبغي أن يتريب فيه منصف ، لبيانه " .(1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أحكام القرآن (1/10) ، وتدريب الراوي (2/101).

 

وهو قول محمد بن هارون الروياني (307هـ) وعلى بن محمد بن حبيب (450هـ) نقله عنهما السخاوي حيث قال : "لا يجوز لغير الصحابة خاصة لظهور الخلل في اللسان بالنسبة لمن بعدهم بخلاف الصحابة ، فهم أرباب اللسان ، وأعلم الخلق بالكلام ، حكاه الماوردي والروياني في باب القضاء ، بل جزما بأنه لا يجوز لغير الصحابي ، وجعلا الخلاف في الصحابي دون غيره "(1)

وعلل القاضي عياض عدم الاحتجاج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، لأنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ وأسباب تلك الأحاديث ، وفهموا معانيها حقيقة فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات ، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها .

ثم قال بعد ذلك مبيناً سبب عدم جواز رواية الحديث بالمعنى لمن بعدهم " لأن المحافظة أولاً على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى ، وتسومح في العبارات ، والتحدث على المعنى انحل النظم ، واتسع الخرق ".(2)

ونخلص من تلك النقول أن العلماء إنما أجازوا للصحابة رواية الحديث بالمعنى لأمرين اثنين :

الأول : كونهم من أرباب اللسان الواقفين على ما فيه من أسرار البيان .

ثانيهما : سماعهم أقوال النبي صلى الله عليه وسلم مع مشاهدتهم لأفعاله ووقوفهم على أحواله بحيث وقفوا على مقصده جملة ، فإذا رووا الحديث بالمعنى استوفوا المقصد كله

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح المغيث (2/245) .

(2) الإلماع (ص/180) .

 

 

على أنهم لم يكونوا يروون بالمعنى إلا حيث لم يستحضروا اللفظ ، وإذا رووا بالمعنى أشاروا في أكثر الأحيان إلى ذلك فصارت النفس مطمئنة لما يروونه بالمعنى ، بخلاف من بعدهم فإنهم لم يكونوا في معرفة اللسان والوقوف بالطبع على أسرار البيان مع عدم سماعهم لشيء من أقواله عليه الصلاة والسلام ولا مشاهدتهم لشيء من أفعاله ولا وقوفهم على حال من أحواله .(1)

·        المذهب الثالث :

لا يجوز لغير الصحابة والتابعين (2) بخلاف من كان منهم

وبه جزم بعض معاصري الخطيب ، وهو حفيد أبي بكر في أدب الرواية قال :"لأن الحديث إذا قيده الإسناد وجب أن لا يختلف لفظه فيدخله الكذب "(3)

وهو قول لابن العربي ، حيث قال :"الخلاف في هذه المسألة إنما يتصور بالنظر إلى عهد الصحابة والتابعين ، لتساويهم في معرفة اللغة الجبلية الذوقية ، وأما من بعدهم فلا تشك أن ذلك لا يجوز ، إذ الطباع قد تغيرت ، والفهوم قد تباينت ، والعوائد قد اختلفت ، وهذا هو الحق ، والله أعلم " (4).

وسبب حصر هذا الفريق رواية الحديث بالمعنى في الصحابة والتابعين أن رواية الحديث بالمعنى إن تعدد الراوون لها توجب رواية الحديث على وجوه شتى مختلفة في اللفظ ، والاختلاف في اللفظ كثيراً ما يوجب الاختلاف في المعنى وإن كان يسيراً بحيث لا يشعر به إلا قليل من أهل الفضل والنبل ، والاختلاف في المعنى يدل على أن ذلك الحديث

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توجيه النظر (ص/308) .

(2) كان التابعون فريقين فريق يورد الأحاديث بالألفاظ ، وفريق يوردها بمعانيها.

(3) فتح المغيث (2/245) .

(4) تفسير القرطبي (1/414) .

لم يرو كما ينبغي بل وقع خطأ في بعض رواياته أو في جميعها ، فيكون فيها ما لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا المحذور إنما يظهر بعد تدوين الحديث وتقييده بالإسناد ، فإذا منع اتباع التابعين فمن بعدهم من الرواية بالمعنى لم يظهر ذلك المحذور.(1)

·        الرد على أصحاب المذهب الثالث :

قال القرطبي :" قال بعض علمائنا : لقد تعاجم ابن العربي رحمه الله ، فإن الجواز إذا كان مشروطا بالمطابقة فلا فرق بين الصحابة والتابعين وزمن غيرهم ، ولهذا لم يفصل أحد من الأصوليين ولا أهل الحديث هذا التفصيل ، نعم ، لو قال : المطابقة في زمنه أبعد كان أقرب ، والله أعلم "(2)

·        المذهب الرابع :

ذهب أصحاب هذا المذهب إلى إجازة الرواية بالمعنى بشرط أن يقتصر في ذلك على إبدال اللفظ بمرادفه مع بقاء تركيب الكلام على حاله

وذلك لأن تغيير تركيب الكلام كثيراً ما يخل بالمراد بخلاف إبدال اللفظ بمرادفه فإنه يفي بالمقصود من غير محذور فيه ، وهو قول قوي ، وقد ادعى بعض العلماء أن هذا جائز بلا خلاف (3)

قال مسلم في صحيحه حدثنا واصل الأحدب ، عن أبي وائل ، عن حذيفة أنه بلغه أن رجلاً ينم الحديث ، فقال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة نمام ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توجيه النظر (ص/308) .

(2) تفسير القرطبي (1/414) .

(3) توجيه النظر (ص/307) .

حدثنا على بن حجر السعدي ، وإسحاق بن إبراهيم ، قال إسحاق ، أخبرنا جرير ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام بن الحارث . قال : كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير ، قال فدخل حتى جلس إلينا فقال حذيفة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يدخل الجنة قتات ) (1)

فعلى هذا يجوز إبدال لفظ الحديث النبوي بلفظ آخر مرادف له . كأن يبدل الراوي قول النبي صلى الله عليه وسلم .

نهض

بدل

قام

قال

بدل

تكلم

جلس

بدل

قعد

عرف

بدل

علم

استطاع

بدل

قدر

أراد

بدل

قصد

أوجب

بدل

فرض

حظر

بدل

حرم

ومثل هذا يطول تتبعه ، وهو قول الخطيب البغدادي إذ أنه قال بعد سياق هذا المذهب :"وهذا القول الذي نختاره مع شرط آخر وهو أن يكون سامع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم عالما بموضوع ذلك اللفظ في اللسان ، وبأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرد به ما هو موضوع له ، فإن علم تجوزه به واستعارته له لم يسغ له أن يروي اللفظ مجردا دون ذكره ما عرفه من قصده صلى الله عليه وسلم ضرورة غير مستدل عليه ، فإنه إن استدل به على أن قصد به معنى من المعاني جاز عليه الغلط والتقصير في الاستدلال ، ووجب نقله له بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم لينظر هو وغيره من العلماء فيه"(2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه مسلم في صحيحه ـ كتاب الإيمان ـ باب بيان غلظ تحريم النميمة ـ (1/101) ـ حديث رقم (105) ، والقتات : النمام .

(2) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/300ـ301)،وتدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث (2/245) ، والباعث الحثيث (ص/119)،وتوجيه النظر (ص/307).

·        المذهب الخامس :

وقال قوم من أهل العلم : الواجب على المحدث أن يروي على اللفظ إذا كان اللفظ الذي ينوب مناب معناه غامضا محتملا فأما إذا لم يكن كذلك بل كان معناه ظاهراً معلوماً ، وللراوي لفظ ينوب مناب لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم غير زائد عليه ولا ناقص منه ، ولا محتمل لأكثر من معنى لفظه صلى الله عليه وسلم غير زائد عليه ولا ناقص منه ولا محتمل لأكثر من معنى لفظه صلى الله عليه وسلم جاز للراوي روايته على المعنى .(1)

·        المذهب السادس :

لا يجوز في الرواية والتبليغ خاصة ، بخلاف الإفتاء والمناظرة . قاله ابن حزم في كتابه الإحكام "(2)

·        المذهب السابع :

لا يجوز في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ويجوز في غيره . حكاه ابن الصلاح ، وقاله مالك فيما رواه عنه البيهقي والخطيب وغيرهما . وهو قول الخليل بن أحمد . (3)

v     الرواية عن مالك بن أنس (ـ 179هـ) ومذهبه في تلك المسألة :

(أ) قال الخطيب البغدادي :" وأما مالك بن أنس فكان يرى أن لفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز تغييره ، ويجوز تغيير غيره إذا أصيب المعنى".(4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح المغيث (2/245) .

(2) فتح المغيث (2/245) ، وتوجيه النظر (ص/307) .

(3) تدريب الراوي (2/99 ،101) ، علوم الحديث (ص/214) ، وفتح المغيث (2/244) .

(4) رواه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/33ـ34) .

 

(ب) سأل ابن عفير مالك بن أنس عن الرجل يسمع الحديث ، فيأتي به على معناه ؟ فقال :"لا بأس به ، إلا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإني أحب أن يؤتى به على ألفاظه "(1)

(ج) سأل سعيد بن عفير مالك بن أنس عن الحديث يحدث به على المعنى فقال :"إذا كان حديث رسول الله فحدث به كما سمعته ، وإذا كان حديث غيره وأصبت المعنى فلا بأس "(2)

(د) وعن إبراهيم بن سعيد البوشنجي أنه سمع ابن بكير يقول : ربما سمعت مالكا يحدثنا بالحديث فيكون لفظه مختلفا بالغداة والعشي .(3)

(هـ) وقال عبدالعزيز بن يحيى المديني ـ مولى بني هاشم ـ: " سمعت مالك بن أنس يقول : " ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تعد اللفظ وما كان من غيره فأصبت المعنى فلا بأس" (4)

(و) وقال أشهب : سألت مالكاً عن الأحاديث يقدم فيها ويؤخر والمعنى واحد فقال : " أما ما كان منها من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أكره

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الحكاية عمن قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ، ويجوز رواية غيره على المعنى ـ (ص/288) ، وفي الجامع لأخلاق الرواي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34) ، رقم (1102) ، والقاضي عياض في الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ـ (ص/178)و(ص/179).

(2) أخرجه الخطيب البغدادي في الجامع لأخلاق الراوي ـ ذكر من كان يذهب إلى جواز رواية الحديث على المعنى ـ (2/34) ـ رقم (1103) ، والقاضي عياض في الالماع ـ (ص/179ـ180) .

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ (ص/315).

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية باب ذكر الحكاية عمن قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ويجوز رواية غيره على المعنى ـ (ص/288) .

ذلك وأكره أن يزاد فيها وينقص منها ، وما كان من قول غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا أرى بذلك بأسا إذا كان المعنى واحدا " (1)

(ز) وقال معن : سألت مالكاً عن معنى الحديث فقال : " أما حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأده كما سمعته ، وأما غير ذلك فلا بأس بالمعنى " . (2)

·        المذهب الثامن :

لا يجوز إن كان موجبه عملاً ، كتحليله التسليم وتحريمه التكبير ، وخمس يقتلن في الحل والحرم ، وإن كان موجبه علماً كالعقائد جاز لأن المعول في العلم على معناه .بل وفي العلم أيضا ما يجوز بالمعنى ، نقله السمعاني .(3)

·        المذهب التاسع :

إن نسي اللفظ جاز ، لأنه تحمل اللفظ والمعنى ، وعجز عن أداء أحدهما فيلزمه أداء الآخر ، لا سيما أن تركه قد يكون كتما للأحكام ، وبروايته بالمعنى يكون قد أتى بما في وسعه . قال تعالى : (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) (البقرة :286)،فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره ، لأن في كلامه صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس في غيره (4) ، وهذا ما رجحه الماوردي وطاهر الجزائري .

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ـ(ص/288)،وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (1/81) ، وانظر الالماع (ص/288ـ289).

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من قال يجب أداء حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم على لفظه ـ (ص/189) ، وانظر الالماع (ص/178).

(3) تدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث(2/114ـ115)،وتوجيه النظر (ص/308).،والباعث الحثيث (ص/119).

(4) تدريب الراوي (2/102)،وفتح المغيث (2/245)،وتوجيه النظر(ص/308)،الباعث الحثيث(ص/119).

(أ) قال الماوردي في الحاوي :"لا يجوز الرواية بالمعنى لمن يحفظ اللفظ لزوماً إن كان في تركه كتم للأحكام فإن لم ينسه لم يجز أن يورده بغيره ، لأن في كلام النبي صلى الله عليه وسلم من الفصاحة ما ليس في غيره " . (1)

(ب) وقال الشيخ طاهر الجزائري :" وهذا القول أقوى لأن الرواية بالمعنى إنما أجازها من العلماء الأعلام للضرورة ، ولا ضرورة إلا في هذه الصورة وإلا فلا يظن بذي كمال في العقل والدين أن يجيز تبديل الألفاظ الواقعة في كلام النبي صلى الله عليه وسلم مع استحضاره لها بألفاظ من عنده ثم ينسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ صريح في صدرها منه ".(2)

·        المذهب العاشر :

يجوز لمن يحفظ لفظ الحديث أن يرويه بالمعنى لتمكنه من التصرف فيه بإيراد ألفاظ تقوم مقام تلك الألفاظ في المعنى دون من نسيه (3) وهو عكس القول السابق ، وعلل أصحاب هذا القول رأيهم بأن من لا يستحضر اللفظ لا يجوز له رواية الحديث بالمعنى لعدم تمكنه من التصرف فيه بإيراد تلك الألفاظ في المعنى،ولاحتمال أن يكون ذلك المعنى أزيد مما يدل عليه اللفظ الذي نسيه أو أنقص منه ، ولذا منع العلماء من وضع العام في موضع الخاص والمطلق في موضع القيد ، وبالعكس ، وذلك لاشتراطهم أن يكون ما جاء به الراوي مساوياً للأصل .(4)

قال العلامة المحقق أحمد شاكر :"والأقوال الثلاثة الأخيرة خيالية في نظري"(5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) توجيه النظر (ص/307) .

(2) توجيه النظر (ص/307) .

(3) تدريب الراوي (2/102) ، والباعث الحثيث (ص/119) ، وتوجيه النظر (ص/308) ، مقدمة في أصول الحديث 0ص/50) .

(4) توجيه النظر (ص/306) .

(5) الباعث الحثيث (ص/120) .  

 

 

 

الفصل الثاني

في بيان

مذهب المانعين

رواية الحديث بالمعنى

المسوغات والأدلة


 

قالت طائفة من السلف وأهل التحري في الحديث : لا تجوز الرواية على المعنى ، بل يجب تأدية اللفظ بعينه من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا حذف ، ولم يفرق أصحاب هذا القول بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه وما ينوب منه مناب بعض وما لا ينوب ، وبين غير العالم بذلك .(1)

وذهب بعض القائلين بهذا القول إلى التشديد ، فلم يجيزوا تقديم كلمة على كلمة ، ولا حرف على آخر ، ولا إبدال حرف بآخر ، ولا زيادة حرف ولا حذفه ، فضلا عن أكثر ، ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف ، ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله ، بل اقتصر بعضهم على اللفظ ، ولو خالف اللغة الفصيحة ، وكذا لو كان لحناً ، كما بين تفصيل هذا كله الخطيب في الكفاية .(2)

وإلى هذا القول ذهب عمر بن الخطاب ، وابنه عبدالله ، وزيد بن أرقم ، وأبو أمامة ، ومالك بن أنس ، وعبدالملك بن عمير ، وأبو جعفر ، وابن شهاب ، ويحيى بن سعيد ، وابن جريج ، وابن سيرين ، وابن طاوس ، وإبراهيم بن ميسرة ، والقاسم بن محمد ، ورجاء بن حيوة ، وإسماعيل بن علية ، ووهيب ، ويزيد بن زريع ، وعبدالوارث ، وثعلب ، وأبوبكر الرازي من الحنفية .

الروايات عن أصحاب هذا المذهب :

(1) أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي (ـ23هـ) :

قال : من سمع حديثا فحدث به كما سمع فقد سلم .(3)

(1) فتح المغيث (2/243) ، وانظر الالماع (ص/187) .

(2) الكفاية (ص/265ـ287) .

(3) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/538) ـ رقم (701) ، والقرطبي في تفسيره (1/412) .

(2) أبو هريرة (ـ 57هـ) :

عن بشير بن نهيك قال : كنت أكتب عند أبي هريرة ما سمعت منه ، فإذا أردت أن أفارقه جثت بالكتاب فقرأته عليه ، فقلت : أليس هذا ما سمعته منك . قال : نعم ) . (1)

(3) عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي (ـ 73هـ) :

(أ) "قال محمد بن علي : كان ابن عمر إذا سمع الحديث فلم يزد ولم ينقص منه ولم يجاوزه ولم يقصر عنه " .(2)

(ب) عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال :"لم يكن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد إذا سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزيد فيه ولا ينقص مثل عبدالله بن عمر .(3)

(ج) روي أن عبيد بن عمير قال وهو يقص :"مثل المنافق كمثل الشاة العاثرة بين الغنمين ". فقال ابن عمر:" ويلكم لا تكذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إنما قال :"مثل المنافق كمثل الشاة الرايطة بين الغنمين ."(4)

(د) وسمع ابن عمر رجلا يردد حديث الأركان الخمسة ، فقدم بعضها وأخر البعض مخالفاً بذلك الرواية التي سمعها ابن عمر نفسه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :"اجعل صيام رمضان آخرهن كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم .(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ(ص/265) .

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ(ص/265) .

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/265) .

(4) الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن لم يجز إبدال كلمة بكلمة ـ (ص/268).

(5) الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن لم يجز تقديم كلمة بكلمة ـ (ص/271).

(4) أبو أمامة الباهلي صدي بن عجلان (ـ 86هـ) :

(أ) قال حبيب بن عبيد : كان أبو أمامة يحدث بالحديث كالرجل الذي يؤدي ما سمع"(1)

(2) وقال أيضاً :"إن كان أبو أمامة ليحدثنا الحديث كالرجل الذي عليه أن يؤدي ما سمع"(2)

(5) أبو معمر الهذلي (ـ 415هـ) :

عن عمارة عن أبي معمر قال :"إني لأسمع الحديث لحناً ، فألحن اتباعا لما سمعت "(3)

(6) طاوس بن كيسان اليماني (ـ 106هـ) :

(أ) كان إبراهيم بن ميسرة وطاوس يحدثان الحديث على حروفه وكان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً .(4)

(ب) عن الليث عن طاوس قال :"اذا تعلمت الشيء فتعلمه لنفسك ، فإن الناس قد ذهبت منهم الأمانة ". قال :"وكان طاوس يعد الحديث حرفاً حرفاً"(5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/266) .

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ (ص/266) .

(3) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/540)ـ رقم (707) ، والخطيب في الكفاية ـ باب ذكر الرواية عمن كان لا يرى تغيير اللحن في الحديث ـ (ص/285) ، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم وفضله ـ باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث وتتبع ألفاظه ومعانيه ـ (ص/81) .

(4) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ (ص/539) ـ رقم (704) .

(5) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/539) ـ رقم (704) .

(7) القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق (ـ 106هـ) :

عن طلحة بن عبدالملك قال : "أتيت القاسم وسألته عن أشياء فقلت : أكتبها ؟ قال : نعم . فقال لابنه : انظر في كتابه ، لا يزيد على شيئاً . قلت : يا أبا محمد ، إني لو أردت أن أكذب لم آتك !! قال : إنما أردت إن أسقطت شيئاً يعدله لك"(1)

(8) محمد بن سيرين (ـ 110هـ) :

(أ) عن ابن عون قال : "كان القاسم بن محمد ورجاء بن حيوة وابن سيرين يحدثون ـ الحديث ـ كما سمعوا"(2)

(ب) عن ابن عون قال : كان الحسن والنخعي والشعبي يحدثون بالحديث مرة هكذا ومرة هكذا ، فذكر ذلك لابن سيرين فقال :"إنهم لو حدثوا كما سمعوا كان أفضل".(3)

(9) محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ـ 124هـ) :

قال ابن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج يجيئون بالحديث على وجهه".(4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/539) ـ رقم (705) .

(2) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال بإصابة المعنى ولم يعتد باللفظ ـ (ص/534 ـ 535) ـ رقم (691) ، والخطيب في الكفاية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ، وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311)،وانظر تدريب الراوي (2/100) .. كان القاسم بالحجاز وابن سيرين بالبصرة ورجاء بالشام .

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ـ وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311).

(4) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .

(10) عبدالكريم الجزري (ـ 127هـ) :

عن سفيان قال :"سمعت عبدالكريم الجزري يقول : إني لأحدث الحديث ما أترك منه كلمة".؟(1)

(11) إبراهيم بن ميسرة الطائفي (ـ 132هـ) :

عن سفيان قال :"كان إبراهيم بن ميسرة لا يحدثه ـ أي الحديث ـ إلا على ما سمع ".(2)

(12) عبدالله بن طاوس بن كيسان اليماني (ـ 132هـ) :

عن سفيان قال :" كان إبراهيم بن ميسرة وابن طاوس يحدثان ـ الحديث ـ كما سمعا "(3)

(13) عبدالملك بن عمير بن سويد الكوفي (ـ 136هـ) :

قال سفيان : سمعت عبدالملك بن عمير يقول :"والله إني لأحدث بالحديث فما أدع منه حرفاً.(4)

(14) يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني أبوسعيد القاضي (ـ 144هـ) :

قال ابن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج ، يجيئون بالحديث على وجهه ".(5)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب القول في التقديم والتأخير ـ (ص/543) ـ رقم (717) .

(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات (7/162) ، والرامهرمزي في المحدث الفاصل ـ باب من قال باتباع اللفظ ـ (ص/538) ـ رقم (702) ، وابن عبدالبر (1/72) ، وزهير بن حرب في العلم (ص/193) .

(3) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف ، وسياق بعض أخبارهم في ذلك ـ (ص/311ـ312) .

(4) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر الرواية عمن أجاز النقصان من الحديث ولم يجز الزيادة ـ (ص/290) .

(5) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .

(15) عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي (ـ 150هـ) :

قال بن عيينة :"محدثوا الحجاز ابن شهاب ويحيى بن سعيد وابن جريج يجيثون بالحديث على وجهه".(1)

(16) وهيب بن خالد بن عجلان الباهلي (ـ 165هـ)

(17) عبدالوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري (ـ 180هـ)

(18) يزيد بن زريع البصري أبو معاوية (ـ 182هـ)

(19) إسماعيل ابن علية (ـ 193هـ) :

(أ) قال قتيبة :"كانوا يقولون الحفاظ أربعة ، اسماعيل ابن عليه وعبدالوارث ، ويزيد بن زريع ، ووهيب وكانوا هؤلاء يؤدون اللفظ".(2)

(ب) أنكر إسماعيل بن علية على شعبة ـ مع جلالته وإتقانه ـ روايته بالمعنى عنه بحديث النهي أن يتزعفر الرجل ، بلفظ "نهى عن التزعفر"(3) الدال على العموم ، حيث لم يفطن لما فطن له إسماعيل الذي رواية شعبة عنه من رواية الأكابر عن الأصاغر من اختصاص النهي بالرجال .(4)

(21) القاضي عياض (ـ 544هـ) :

قال بعد إيراده لأقوال مالك في منع رواية الحديث بالمعنى .

قال :"وما قاله ـ رحمه الله ـ الصواب ، فإن نظر الناس مختلف ، وأفهامهم متباينة ، وفوق كل ذي علم عليم . كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ) . فإذا أدى اللفظ أمن الغلط . واجتهد كل من بلغ إليه فيه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) مقدمة الجرح والتعديل (ص/43) .

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ذكر من كان يذهب إلى إجازة الرواية على المعنى من السلف وسياق أخبارهم في ذلك ـ(ص/316) .

(3) لفظ الحديث كما هو عند البخاري :"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل "ـ كتاب اللباس ـ باب النهي عن التزعفر للرجال ـ (10/304) ـ حديث رقم (5846) .

(4) فتح المغيث (2/241 ـ 242) .

،وبقي على حاله لمن يأتي بعد ، وهو أنزه للراوي ، وأخلص للمحدث .

ولا يحتج باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة ، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ ، وأسباب تلك الأحاديث ، وفهموا معانيها حقيقة ، فعبروا عنها بما اتفق لهم من العبارات ، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها والألفاظ ترجمة عنها . وأما من بعدهم فالمحافظة أولا على الألفاظ المبلغة إليهم التي منها تستخرج المعاني ، فما لم تضبط الألفاظ وتتحرى وتسومح في العبارات والتحدث على المعنى انحل النظم ، واتسع الخرق . (1)

وقال أيضا : ينبغي سد باب الرواية بالمعنى لئلا يتسلط من لا يحسن من يظن أنه يحسن كما وقع لكثير من الرواة قديما وحديثا . (2)

  

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الالماع (ص/180) .

(2) تدريب الراوي (2/102) ، وانظر الإلماع (ص/186) .

 

 

 

 

أدلة القائلين بالمنع

·        الدليل الأول :

v  حديث ابن مسعود : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (نضر الله أمرأ سمع منا حديثا فأداه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع) (1)

 

 

·        وجه الدلالة :

إذا كان المبلغ أوعى من السامع وأفقه ، وكان السامع غير فقيه ولا ممن يعرف المعنى ، وجب عليه تأدية اللفظ ليستنبط معناه العالم الفقيه .(2) فالأفطن ربما فطن بفضل فقهه من فوائد اللفظ بما لا يفطن له الراوي لأنه ربما كان دونه في الفقه . (3)

قال القاضي عياض :"فإن نظر الناس وأفهامهم متباينة ،وفوق كل ذي علم عليم.كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) . فإذا أدى اللفظ أمن الغلط ، واجتهد كل من بلغ إليه فيه ، وبقي على حاله ، كمن يأتي بعده وهو أنزه للراوي وأخلص للمحدث " (4)

وهذا أمر واقع ومشاهد وملموس "فإننا لما جربنا رأينا أن المتأخر ربما أستنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبه له أهل الأعصار السالفة من العلماء المحققين ، فعلمنا أنه لا يجب في كل ما كان من فوائد اللفظ أن يتنبه له السامع في الحال وإن  كان فقهيا ذكيا . فلو جوزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم مع أن الراوي يظن أن لا تفاوت ".(5)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد في مسنده (1/437)،والترمذي في جامعه ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ـ (ص/345) ـ حديث رقم (2657) ، والخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/267) ، عن ابن مسعود واللفظ له .

(2) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ(ص/305).

(3) توجيه النظر (ص/300) .

(4) الالماع (ص/180) .

(5) توجيه النظر (ص/300) .

 

 

·        الاعتراض على الدليل :

بالنسبة لحديث ابن مسعود نقول : إن الأداء كما سمع ، ليس مقصورا على نقل اللفظ ، بل النقل بالمعنى من غير تغيير أداء كما سمع ، فإنه أدى المعنى كما سمع لفظه ، وفهمه منه ، نظيره أن الشاهد والمترجم إذا أدى المعنى من غير زيادة ولا نقصان ، يقال أنه أدى كما سمع ، وإن كان الأداء بلفظ آخر . ولو سلم أن الأداء كما سمع مقصوراً على نقل اللفظ ، فلا دلالة في الحديث على عدم الجواز ، غايته أنه دعاء للناقل باللفظ ، لكونه أفضل ، ولا نزاع في الأفضلية.(1)

قال الترمذي :"اقتضى العلماء الأداء وتبليغ العلم ، فلو كان اللازم لهم أن يؤدوا تلك الألفاظ التي بلغت أسماعهم بأعيانها بلا زيادة ولا نقصان . ولا تقديم ولا تأخير ، كانوا يستودعونها الصحف ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن ، فكان إذا نزل الوحي دعا الكاتب فكتبه مع توكل الله له بجمعه وقرآنه فقال (إن علينا جمعه وقرآنه) وقال (وإنا له لحافظون) فكان الوحي محروساً بكتبه ، ولو كانت هذه الأحاديث سبيلها هكذا لكتبها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل جاءنا عن أحد منهم أنه فعل ذلك "(2)

ثم إن هذا الدليل يكاد يكون لنا لا علينا ، إذ أن هذا الحديث لكونه مع قيل أنه صلى الله عليه وسلم لم يحدث به سوى مرة واحدة روي بألفاظ مختلفة .

ـ (نصر الله امرأ سمع منا حديثا ، فحفظه حتى يبلغه غيره ، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ورب حامل فقه ليس بفقيه) (3)

 

ـ (نضر الله امرأ سمع منا شيئا ، فبلغه كما سمعه ، فرب مبلغ أوعى من سامع) (1)

ـ (نضر الله عبداً سمع مقالتي ، فوعاها ، ثم بلغها عني ، فرب حالم فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) (2)

ـ (نظر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها ، ثم أداها إلى من يسمعها ، فرب حامل فقه غير فقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصح لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم ، فإن دعوتهم تحوط من وراءهم) (3)

ـ (نضر الله امرأً سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره ، فإنه رب حامل فقه ليس بفقيه ، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم أبدا : إخلاص العمل لله ، ومناصحة ولاة الأمر ، ولزوم الجماعة فإن دعوتهم تحيط من ورائهم ، وقال : من كان همه الآخرة ، جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت نيته الدنيا فرق اللــه عليــه ضيعته،وجعل فقره

 

ـــــ

بين عينيه ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له (1)

ـ (رحم الله امرأ سمع منا حديثا فوعاه ثم بلغه من هو أوعى منه) (2)

فهذا الحديث الذي يحتجون به نرى ألفاظه مختلفة مثل :

فكلمه عبداً

أتت في رواية بلفظ

أمراً

وكلمة منا

أتت في رواية بلفظ

مقالتي

وكلمة حديثاً

أتت في رواية بلفظ

شيئاً

وكلمة فحفظه

أتت في رواية بلفظ

فوعاها

وجملة حتى يبلغه

أتت في رواية بلفظ

ثم بلغها وفي رواية بلفظ ثم أداها

وجملة قرب حامل فقه

أتت في رواية بلفظ

فرب مبلغ أوعى من سامع

وجملة فرب حامل فقه غير فقيه

أتت في رواية بلفظ

فرب حامل فقه ليس بفقيه

يقول السخاوي عن الحديث :"إنه روي بألفاظ مختلفة : كرحم الله ، ومن سمع ، ومقالتي ، وبلغه ، وأفقه ، ولا فقه له ، مكان نضر الله ، وامرأ ، ومناحديثا ، وأداه وأوعى وليس بفقيه" ، ثم قال :" لا سيما وفيه ما يرشد إلى الفرق بين العارف ، وغيره بقوله :"فرب مبلغ أوعى من سامع ، ورب حامل فقه ليس بفقيه إلى من هو أفقه منه "(3)

 

 

قال الخطيب البغدادي : أما الحديث الأول : (نضر الله امرأ ...) فهو حجة عليكم لأنه قد علل فيه ونبه على ما يقول بقوله صلى الله عليه وسلم فرب مبلغ أوعى من سامع ، ورب حامل فقه ليس بفقيه والى من هو أفقه منه ، وكأنه قال : إذا كان المبلغ أوعى من السامع وأفقه وكان السامع غير فقيه ولا ممن يعرف المعنى وجب عليه تأدية اللفظ ليستنبط معناه العالم الفقيه ، وإلا فلا وجه لهذا التعليل إن كان حال المبلغ والمبلغ سواء ، على أن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه على المعنى ، فقال بعضهم :

رحم الله

بدل

نضر الله

من سمع

بدل

امرا سمع

مقالتي

بدل

مني حديثا

بلغة

بدل

أداء

فرب مبلغ أفقه من مبلغ

بدل

فرب مبلغ أوعى من سامع

ورب حامل فقه لا فقه له

بدل

ليس بفقيه

وألفاظ سوى هذه متغايرة تضمنها هذا الخبر ، وقد ذكرنا طرقه على الاستقصاء باختلاف ألفاظها في كتاب أفردناه لها ، والظاهر يدل أن هذا الخبر نقل على المعنى ، فلذلك اختلفت ألفاظه وإن كان معناها واحداً ، والله أعلم (1)

·        الدليل الثاني :

v     حديث البراء بن عازب : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا براء كيف تقول إذا أخذت مضجعك ؟)

قال : قلت الله ورسوله أعلم .

 

قال : (إذا أويت إلى فراشك طاهرا ، فتوسد بيمينك ، ثم قل : اللهم أسلمت وجهي إليك ، وفوضت أمري إليك ، وألجأت ظهري إليك ، رغبة ورهبة إليك ، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك ، آمنت بكتابك الذي أنزلت ، ونبيك الذي أرسلت )

فقلت كما علمني غير أني قلت :" ورسولك فقال بيده في صدري : " ونبيك " فمن قالها في ليلته ثم مات ، مات على الفطرة . (1)

·        وجه الدلالة :

قالوا : لم يسوغ لمن علمه الدعاء مخالفة اللفظ . (2)

·        الاعتراض على الدليل :

أما بالنسبة لحديث البراء بن عازب : ففي الاستدلال به نظر ، لأنه وإن تحقق بالقطع أن المعنى في اللفظين متحد ، لأن الذات المحدث عنها واحدة ، فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف ، فيتحمل أن المنع لكون ألفاظ الأذكار توقيفيه ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس ، فيجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به ، وبالجملة فيستحب له أن يورد الأحاديث بألفاظها ، كما قال الحسن وغيره ، لأن ذلك أسلم وأفضل ، كما قاله ابن سيرين وغيره .

ولذا كان ابن مهدي ـ فيما حكاه عنه الإمام أحمد ـ يتوقى كثيرا ويحب أن يحدث بالألفاظ (3)

 

وقال الخطيب البغدادي :" وأما رد النبي صلى الله عليه وسلم على الرجل في الحديث الثاني قوله : "وبرسولك " إلى " وبنبيك الذي أرسلت " فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمدح من الرسول ، ولكل واحد من هذين النعتين موقع ، ألا ترى أن اسم الرسول يقع على الكافة ، واسم النبي لا يتناول إلى الأنبياء خاصة ، وإنما فضل المرسلون من الأنبياء لأنهم جمعوا النبوة والرسالة معاً فلما قال " الذي أرسلت " وبيان آخر وهو أن قوله " وبرسولك الذي أرسلت " جاء النعت وهو النبوة ، ثم قيده بالرسالة حيث قال (الذي أرسلت) وبيان آخر وهو أن قوله (وبرسولك الذي أرسلت) غير مستحسن لأنه مجتزأ بالقول الأول أن " رسول فلان" عن أن يقول " الذي أرسله " إذا كان لا يفيد القول الثاني إلا المعنى الأول وكان قوله ، و" بنبيك الذي أرسلت " يفيد الجمع بين النبوة والرسالة ، فلذلك أمره النبي صلى الله عليه وسلم به ورده إليه ، والله أعلم " (1)

ولقد علل الدكتور محمد الصباغ رد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل إلى قوله الذي علمه إياه بقوله لأنه دعاء ، الدعاء تعبد ، وللألفاظ أسرار في الدعاء لا يباح لعبد أن يغيرها ، ألا ترى أنه لا يجوز للمرء أن يغير لفظ التحيات في الصلاة إلى ما يقابلها ، وما ذكره القرطبي شيء جميل يضم إلى ما ذكرنا ، وإن كان الذي ذكرنا هو المقدم في الاحتجاج والله أعلم ".(2)

·        الدليل الثالث :

v  حديث أنس بن مالك : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من جهنم أو من النار) .(3)


 

ــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) قواعد التحديث (ص/225) ، وتوجيه النظر (ص/300) .

(2) قواعد التحديث (ص/223 ـ 224) .

(3) رواه الترمذي ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ـ (5/33ـ34) حديث رقم (2656) ، وابن حبان في ترتيبه ـ كتاب الرقائق ـ باب الفقر والزهد والقناعة ـ ذكر وصف الغنى الذي وصفناه من قبل (2/35) حديث رقم (679) .

 

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه أحمد في مسنده ـ (1/436ـ437) ، والترمذي ـ في سننه ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع ـ (5/34) ـ حديث رقم (2657) ، وابن حبان ـ في ترتيبه ـ كتاب العلم ـ باب الزجر عن كتبة المرء السنن مخافة أن يتكل عليها دون الحفظ لها ـ ذكر البيان بأن هذا الفضل إنما يكون لمن زوى ما وصفناه كما سمعه سواء من غير تغيير ولا تبديل فيه ـ (1/143ـ144) ـ حديث رقم (3/225) .

(2) رواه أحمد في مسنده ـ (3/225) ، وابن ماجه ـ في سننه ـ كتاب المقدمة ـ باب من بلغ علماً ـ (1/86) ـ حيث رقم (2366) .

(3) أخرجه أحمد في مسنده ـ (4/80) ، وابن ماجه ـ في سننه ـ كتاب المناسك ـ باب الخطبة يوم النحر ـ (2/1015ـ1016) ـ حديث رقم (3056) ، من حديث جبير بن مطعم ، وأبو داود ـ كتاب العلم ـ باب فضل نشر العلم ـ (3/322) ـ حديث رقم (3660) ، وابن ماجه ـ في سننه ـ في المقدمة ـ باب من بلغ علماً ـ حديث رقم (230) عن زيد بن ثابت ، والترمذي ـ في سننه ـ كتاب العلم ـ باب ما جاء في الحث على التبليغ السماع ـ (5/34) ـ حديث رقم (2657) ، وابن ماجه ـ في المقدمة ـ باب من بلغ علماً ـ (1/85) ـ حديث رقم (232) من حديث ابن مسعود.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه أحمد في مسنده ـ (5/183)،وابن حبان ـ في ترتيبه ـ كتاب الرقائق ـ باب الفقر والزهد والقناعة ـ ذكر وصف الغنى الذي وصفناه قبل ـ (2/35) ـ حديث رقم (679) ، عن أبان بن عثمان ، أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحواً من نصف النهار ، فقلنا : أجل سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ، فذكره .

قال الألباني :"وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات،وروى ابن ماجه الشطر الأخير منه من هذا الوجه ، وقال البوصيري في الزوائد " هذا إسناد صحيح " رجال ثقات ، ورواه أبو داود الطيالي عن شعبة بنحوه ، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به سلسلة الأحاديث الصحيحة (145ـ146) حديث رقم (404) .

(2) رواه ابن عساكر عن زيد بن خالد الجهني وهو حديث ضعيف كذا قال الألباني في (ص.ج.ص) (3105) ، والمحفوظ عنه وعن غيره من الصحابة بلفظ (نضر الله امرأ...) .

(3) فتح المغيث (2/247ـ248) .

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/305)،وانظر تفسير القرطبي (1/413) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) أخرجه البخاري ـ في صحيحه ـ كتاب الوضوء ـ باب فضل من بات على الوضوء ـ (1/357) ـ حديث رقم (247) ، ومسلم في صحيحه ـ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ـ باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ـ (2081ـ2083) ـ حديث رقم (2710) .

(2) المحدث الفاصل (ص/531) رقم (684) ، والحديث النبوي (ص/178) .

(3) فتح المغيث (2/248) ، المحدث الفاصل (ص/531ـ532) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المحدث الفاصل (ص/531ـ532) ، الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/306) ، وتفسير القرطبي (2/413) .

(2) الحديث النبوي (ص/179) .

(3) اخرجه البخاري في صحيحه ـ كتاب العلم ـ باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم ـ (1/199) ـ حديث رقم (108) .

 

 

 

 

 

·        وجه الدلالة :

أن من قام بتبديل لفظ مكان آخر يخاف عليه من الدخول في الوعيد حيث عزا للنبي صلى الله عليه وسلم لفظا لم يقله .(1)

·        الدليل الرابع :

v  حديث أبي أمامة : قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من حدث حديثا كما سمع فإن كان صدقا وبراً فله ، وإن كان كذبا فعلى من ابتدأه ) (2)

·        الاعتراض على الدليلين الثالث والرابع :

نقول إن رواية الحديث بالمعنى لا تدخل ضمن الوعيد بدخل النار وذلك لكون رواية أي شيء بالمعنى لا يسمى كذبا ، لأن المعنى المراد توصيله إلى الذهن أصله حديث النبي صلى الله عليه وسلم والاختلاف إنما واقع بتبديل لفظ مكان آخر ، وليس من المعقول أن نسمى هذه العملية تبديل الألفاظ ـ بأنها كذب لأننا لو جوزنا ذلك لاتهمنا الصحابة والتابعين بالكذب ـ والعياذ بالله ـ ثم لطعنا بالكتب الستة وغيرها ، ولقلنا بأن فيها أحاديث مكذوبة ، لأن النقل بالمعنى واقع فيها ، وتشهد بهذا الروايات الموجودة في هذه الكتب ، فقد جاءت روايات عن واقعة واحدة بألفاظ مختلفة ويثبت ذلك بأدنى مراجعة لصحيح مسلم وغيره ، وقد تقدم معنا قول ابن الصلاح : كثيرا ما كانوا ينقلون معنى واحدا في أمر واحد بألفاظ مختلفة ، وما ذلك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ .(3)

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح المغيث (2/243) .

(2) أخرجه الخطيب في الكفاية في علم الرواية ـ باب ما جاء في رواية الحديث على اللفظ ومن رأى ذلك واجباً ـ (ص/266) .

(3) انظر (ص/23ـ24) من هذا الحديث .

 

·        الدليل الخامس :

قالوا إن المتأخر ربما استنبط من فوائد آية أو خبر ما لم يتنبه له السابقون من العلماء ، فعلمنا أنه لا يجب في كل ما كان من فوائد اللفظ أن يتنبه له السامع في الحال وإن كان فقيها ذكيا ، ولو جوزنا النقل بالمعنى فربما حصل التفاوت العظيم مع أن الراوي يظن أن لا تفاوت .(1)

 

 

·        الدليل السادس :

قالوا إن الاتفاق حاصل على أن الشرع قد ورد بأشياء كثيرة قد فيها الاتيان باللفظ والمعنى جميعا نحو التكبير والتشهد والأذان والشهادة ، وإن كان كذلك فلا ينكر أن يكون المطلوب بالحديث لفظه بعينه ومعناه جميعا .(2)

 

 

·        الاعتراض على الدليل :

فيقال لهم وبأي وجه وجب إلحاق رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه بالأذان والتشهد وغير ذلك ،مما يجري مجراهما ؟ فلا يجدون متعلقا في ذلك .

ويقال أيضا لو أخذ علينا رواية حديثه إيراد لفظه ومعناه لوجب أن يوقف عليه توقيفا يوجب العلم ويقطع العذر ، كالتوقيف لنا على الأذان والتشهد ، وفي عدم توقيف يحج مثله دلالة على فساد ما قلتم .

ثم يقال لهم ما الفصل بينكم وبين من قال : لما حصل الاتفاق على إباحة الترجمة في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوامره ونواهيه والأخبار في جملة دينه وتفصيله وجب كذلك جواز روايته على المعنى باللفظ العربي الذي هو أقرب إلى لفظ النبي صلى الله عليه وسلم من الأعجمي فلا يجدون لذلك مدفعاً .(3)ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحديث النبوي (ص/174).

(2) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ (ص/304)،وفتح المغيث (2/244).

(3) الكفاية ـ باب ذكر الحجة في إجازة رواية الحديث على المعنى ـ(ص/304ـ305) .

 

 

·        الدليل السابع :

قالوا لو جاز للراوي تبديل اللفظ الذي سمعه بلفظ نفسه كان للراوي الثاني أن يبدل اللفظ الذي سمعه من الراوي الأول بلفظ جديد . وإن كان ذلك في الطبقة الثالثة والرابعة فذلك يفضي إلى سقوط الكلام الأول ، لأنه إذا توالت التفاوتات كان التفاوت الأخير تفاوتا فاحشا . بحيث لا يبقى بين الكلام الأخير وبين الأول نوع مناسبة .(1)

 

 

·        الاعتراض على الدليل :

فيقال إن هذا الدليل دليل وهمي ، وذلك لأننا نعلم أن الحديث قد كتب معظمه في القرن الأول .(2)

ثم إن الجواز مشروط بالمطابقة والمساواة . كما ذكرنا ، فإن عدمت لم يجز .(3)

  

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير القرطبي (1/414) ، وتوجيه النظر (ص/300) ، والحديث النبوي (ص/174ـ175) .

(2) الحديث النبوي (ص/175).

(3) الحديث النبوي (/180).

 

 

الفصل الثالث

في بيان

القول الراجحوأدلته

 

 

بعد هذا العرض لرأي وأدلة كل فريق ، نجد أن هناك صورة لم يحدد القول فيها ، ألا وهي التفريق بين ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم على أنه من أفعاله ، وما يروى عنه صلى الله عليه وسلم على أنه من أقواله ، وفي رواية أصحابه عنه .

فالأحاديث الفعلية ، ومثلها التقريرية ، والوصفية لا تدخل في مبحث رواية الحديث بالمعنى في عصر الصحابة ، وفيما يرويه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقوال وألفاظ يجب عليهم روايتها باللفظ ، وإنما صدرت أفعال رأوها فعبروا عن مشاهداتهم بألفاظ من عندهم ـ رضي الله عنهم ـ فلا يقال بأنهم رووا الأحاديث الفعلية بالمعنى ، وإنما هذا يصدق على من سمع الصحابة يحدثون بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يحفظ ألفاظ الصحابة وإنما عبر بألفاظ تؤدي المعنى نفسه.

ثم إن هؤلاء الصحابة هم من الجيل والقرن الذي بلغ الغاية في الفصاحة ، والبيان ، والقدرة على وصف أدق الأشياء غموضاً وخفاء بأبلغ وأوجز الألفاظ، ولهذا تحداهم الله عز وجل بالقرآن العظيم ، فهم إذن مأمونون على رواية ما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من أفعال وتقريرات بألفاظ مطابقة مؤدية للمعاني التي أرادوا التعبير عنها ، وروايتها بحسب مشاهداتهم للأحداث .

وبهذا تضيق دائرة رواية الحديث بالمعنى فيما رواه الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لتقتصر فقط على أحاديثه القولية ، ثم هذه أيضاً قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تكريره وإعادته للفظ ثلاثاً حتى يحفظ أصحابه ، مع ما أوتوا من جوامع الكلم ، وربما أعاد الكلام في مواطن عديدة ، أو سنوات متفرقة بألفاظ متقاربة والمعنى واحد ، فيروي كل صحابي اللفظ الذي سمعه ، فليس اختلاف ألفاظهم في الحديث القولي دليلاً على روايتهم له بالمعنى ، وإنما هكذا سمعه كل واحد منهم بحسب تعدد المجالس ، ولعل منها حديث (من كذب علي) وحديث (نضر الله) لكثرة من رواهما من الصحابة ، فلا يبعد أن يكون سماعهم في مجالس متعددة أو سنوات متفرقة .

ثم إذا أضيف ما علم من تحري الصحابة في حفظ كلامه صلى الله عليه وسلم حتى توقف كثير منهم عن الرواية خوف نقص كلمة أو زيادتها مع قدرتهم على استبدالها وروايتها بالمعنى ، وحرصهم على روايته بلفظه ، وكان منهم من كان يكتب كل ما يتلفظ به النبي صلى الله عليه وسلم كعبدالله بن عمرو ، ومنهم من دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحفظ كأبي هريرة مع ما علم عنهم من نقد وتصحيح لما كان قد يقع في رواية بعضهم من الخطأ والغلط فإنه بذلك تضيق دائرة رواية الحديث بالمعنى إلى أقصى درجة في أحاديثه القولية أيضاً في رواية الصحابة .

وهكذا نجد أن رواية الصحابة رضي الله عنهم تكاد تخلو من الرواية بالمعنى ، أما الأحاديث الفعلية والتقريرية والوصفية فلأنها لا تدخل في الموضوع أصلاً لأنهم هم الذين تلفظوا وعبروا عن مشاهدتهم لأحوال وأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم ابتداءً .

وأما القولية فلما سبق بيانه من حال النبي صلى الله عليه وسلم في تلفظه ، وإعادته لكلامه ، وإيجازه وتأنيه ، ومن حال أصحابه في حرصهم على حفظه وورعهم عن أدائه وروايته .

بل لقد كان التدوين الرسمي العام بأمر عمر بن عبدالعزيز في زمن التابعين .

ثم إذا علمنا أن طبقة اتباع التابعين قد دونوا السنة في بطون الكتب ، كمالك في الموطأ ، وسفيان الثوري في جامعه ، وحماد بن سلمة في مصنفاته ، وعبدالملك بن جريج ، وابن أبي عروبة ، وغيرهم من الأئمة الحفاظ من أهل هذه الطبقة ، فإنه لا يتبقى عندنا فيها رواية الحديث سوى طبقة التابعين ، فهذه الطبقة هي التي وقع فيها رواية الحديث بالمعنى بصورة أوضح ، ومع ذلك فإن أهل هذه الطبقة كان منهم من كتب ودون الحديث في صحف كما فعل همام بن منبه ، فإن صحيفته كان يكتبها من لفظ أبي هريرة وهو من خاصة تلاميذه .

وكان الزهري له صحف كتب في الحديث ، ومنهم من كتب صحيفة عبدالله بن عمرو بن العاص ، وكان عمرو بن شعيب يحدث بهذه الصحيفة ، وغيرهم كثير من أصحاب الصحف عن آبائهم أو شيوخهم .

كما أن من أهل هذه الطبقة الحفاظ الأثبات ، الذين اشتهروا بالحفظ والإتقان والتثبت ، حتى أن أحدهم ربما سئل عن الحديث بعد سنوات فيجيء به كما حدث به أول مرة ، لا يخرم منه حرفاً ، وعلى مثل هؤلاء دارت الرواية في هذا العصر ، ومنهم من لا يرى الرواية بالمعنى ويشدد في ذلك .

هذا وليس كل من كان يرى الرواية بالمعنى كان يحدث على المعنى في كل حديث يرويه ، بل إن عامتهم من الحفاظ الأثبات الذين بين ضابط لكتابه ، أو ضابط لحفظه ، وإنما رأوا أن الرواية بالمعنى جائزة بحسب الأدلة التي بين أيديهم ، ولا يعني ذلك ـ أبداً ـ أنهم لم يكونوا يحدثون باللفظ .

والأصل في كل حديث مروي بإسناد صحيح أنه مروي باللفظ حتى يثبت خلافه ، فإن كان بإسناد فلا سبيل إلى الحكم عليه بأنه مروي بالمعنى إذ لا دليل على ذلك .

فإن كان مروياً بأسانيد مختلفة عن جمع من الصحابة والمعنى واحد فيحمل على أن كل صحابي روى ما سمعه إذ لا مانع من ذلك .

ولا يدخل فيما سبق أوهام الرواة ، وأغلاطهم ، التي تعرف بعرض رواياتهم على روايات الحفاظ الأثبات ، لأن هذا باب آخر غير باب الرواية بالمعنى .

والحاصل أن الرواية بالمعنى كما يظهر من أدلة الجمهور جائزة لقوة دلالتها نقلاً ونظراً ، ولكن لا بد لنا من التنبيه إلى أن من أباح رواية الحديث على المعنى قيدها بشروط عديدة ولم يطلق هذا لكل إنسان ، ومن تلك الشروط :

(1) أن يكون الراوي ثقة في دينه ، معروفا بالصدق في حديثه عاقلا لما يحدث به .(1)

(2) أن يكون الراوي عالما بلغات العرب ووجوه خطابها .(2)

  

(3) بصيرا بالمعاني والفقه .(1)

(4) عالما بما يحيل المعنى وما لا يحيله .(2)

(5) أن لا يكون الحديث :

(أ) مما تعبد بلفظه ، كالشهادة والتشهد والأذان والإقامة والدعاء وغير ذلك.(3)

(ب) أو جامع كلمة صلى الله عليه وسلم التي افتخر بإنعام الله تعالى عليه بها.(4)

(ج) أو مما ما يستدل بلفظه على حكم لغوي .(5)

(6) أن يكون ذلك في خبر ظاهر .

(7) أن لا يكون ذلك في الخبر ، لأنه ربما نقله الراوي بلفظ لا يؤدي مراد رسول الله .

(8) أن يقول الراوي عقب روايته الحديث (أو كما قال) أو (نحوه) أو (شبهه).(6)

(9) أن يضطر الراوي اضطرارا إلي روايته بالمعنى :

(أ) كان يند لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم عن الذاكرة ، ويغيب عنه في حالة روايته له .(7)

(ب) أو أن لا يكون ضابطا للحديث ، لأن الضبط الدقيق مطلب عزيز لا يتقنه إلا القليل (8) والضرورة تقدر بقدرها .

 

(10) أن لا تكون روايته للحديث على سبيل الرواية والتبليغ خاصة بخلاف الإفتاء والمناظرة .(1)

(11) أن يبين الراوي بأن هذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم ، لا لفظه.

واعلم أن هذا الخلاف لا يجري في ثلاثة أنواع :

·        النوع الأول : ما تعبد بلفظه كالتشهد والقنوت ونحوهما صرح به الزركشي.(2)

·        النوع الثاني : ما هو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم التي افتخر بإنعام الله عليه بها .(3)

·    النوع الثالث : ما يستدل بلفظه على حكم لغوي ، إلا أن يكون الذي أبدل اللفظ بلفظ آخر عربياً يستدل بكلامه على أحكام العربية ، ذكره جمهور النحاة .(4)

ثم إن الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يدون ولم يكتب ، وأما ما دون وحصل في بطون الكتب ، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير خلاف بينهم ، قال ابن الصلاح ـ بعد أن ذكر اختلافهم في نقل الحديث بالمعنى :"إن هذا الخلاف لا نراه جارياً ، ولا أجراه الناس ـ فيما نعلم ـ فيما تضمنته بطون الكتب ، فليس لأحد أن يغير لفظ شيء من كتاب مصنف ، ويثبت فيه لفظاً آخر".(5)

وقال ابن الملقن : ثم الخلاف في غير المصنفات ، أما فيها فلا يجوز تغييرها وإن كان بالمعنى فإن من رخص إنما رخص لما في الجمود على الألفاظ من الحرج ،

هذا ولا يصح في هذا الوقت أن يكتب أحد بحثاً ، أو يلقي خطبة أو ينشر مقالة ويورد الحديث بالمعنى ، لأن سبيل روايته باللفظ الآن ميسرة بسبب طباعة كتب الحديث وانتشارها في كل مكان ، ووجود الفهارس لها ، وتوفر وسائل حديثة تسهل الوقوف على نص الحديث ، أما إذا كان الإنسان في مجلس وكان يتحدث في موضوع ، وغاب عن ذهنه لفظ الحديث وكان متأكداً من معناه ، فليروه بالمعنى : وليبين للسامعين أنه يرويه بالمعنى .(1)

وقال الأستاذ الدكتور محمود الطحان :" هذا كله في غير المصنفات ، أما الكتب المصنفة فلا يجوز رواية شيء منها بالمعنى ، وتغيير الألفاظ التي فيها وإن كان بمعناها ، لأن جواز الرواية بالمعنى كان للضرورة إذا غابت عن الراوي كلمة من الكلمات ، أما بعد تثبيت الأحاديث في الكتب فليس هناك ضرورة لرواية ما فيها بالمعنى ".(2)

والذي يغلب على ظننا أن الرواة لا يعدلون عن اللفظ إلا عندما ينسونه وهذا أمر طبيعي ، فنحن في حياتنا اليومية كثيراً ما ينقل بعضنا أقوال بعض معتمدين على السماع ، وغالباً ما تنتقل الأقوال بألفاظها كما نطق بها قائلوها، وقد يتكلف الناقل غير لهجته ليقلد المتحدث ، فإذا غاب عن ذهنه لفظ كلمة أتى بما يدل عليها ، وهذا ما يفعله الناس العاديون دائماً في أحاديثهم ، فما بالك بمن يروي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دين ؟ لا شك في أنه سيكون أكثر تحرياً وأدق في نقل الحديث الذي يعتبر مصدراً من مصادر الدين والتشريع .

وقد رأينا أن بدء تدوين السنة كان في وقت مبكر جداً ، وما زال ينمو حتى قامت به الدولة رسمياً أيام عمر بن عبدالعزيز ، وحافظة العرب أمر مشهور ، إذ أنهــــــــم

كانوا سريعي الحفظ ، نقلوا إلينا الشعر الجاهلي ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم من جوامع الكلم ، ومن روائع البيان التي يحرص الناس على حفظها وروايتها .

كل ذلك يجعلنا نظن أن بعض الأحاديث الطويلة هي وحدها المروية بالمعنى ، أما الأحاديث القصيرة البليغة والأحاديث التي يتعبد بها ، فهي منقولة بلفظها دون شك .(1) والله أعلم

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الإلماع (ص/174) .

(2) الرسالة (ص/370) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تيسير مصطلح الحديث (ص/172)،الحديث النبوي (ص/172).

(2) الحديث النبوي (ص/172).

(3) تيسير مصطلح الحديث (ص/172)،والحديث النبوي (ص/172).

(4) تدريب الراوي (2/102).

(5) تدريب الراوي (2/102).

(6) توضيح الأفكار (2/372).

(7) انظر (ص/25ـ26) من هذا البحث ، والتقييد والإيضاح (ص/226ـ227)،وتدريب الراوي (2/102ـ103)،وتيسير مصطلح الحديث (ص/173).

(8) الحديث النبوي (ص/180).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) السنة قبل التدوين (ص/133).

(2) فتح المغيث (2/245).

(3) تدريب الراوي (2/102).

(4) تدريب الراوي (2/102).

(5) توضيح الأفكار (2/372).

(6) علوم الحديث (ص/191).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المقنع .

(2) تيسير مصطلح الحديث (ص/172).

 

= = = = = = = = = = = = = = = = = = 

   

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الحديث النبوي (ص/180ـ181).


 

 

فهرس

المصادر والمراجع

 

·        أحكام القرآن ـ لأبي بكر محمد بن عبدالله المعروف بابن العربي (ـ 543هـ) ـ تحقيق : على محمد البجاوي ـ دار المعرفة

·    الأباطيل والمناكير والصحاح ولمشاهير ـ للحافظ أبي عبدالله الحسين بن إبراهيم الجوزقاني الهمذاني (ـ 543هـ) ـ تحقيق وتعليق عبدالرحمن عبدالجبار الفريولائي ـ إدارة البحوث الإسلامية والدعوة والإفتاء بالجامعة السلفية بنارس ـ الطبعة الأولى 1983م.

·        الجامع لأحكام القرآن ـ لأبي عبدالله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي ـ (ـ 671هـ) ـ دار إحياء التراث العربي ـ الطبعة الثانية .

·    الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ـ لعلاء الدين على بن بلباب الفارسي (ـ 729هـ) ـ بعناية شعيب أرناؤوط ـ مؤسسة الرسالة ـ الطبعة الأولى 1998م.

·    الأذكار ـ للحافظ محي الدين أبي زكريا يحيى بن شرف النووي (ـ 676هـ) ـ نشر مطبعة مصطفى البابي الحلبي ـ الطبعة الرابعة 1375هـ .

·    الإصابة في تمييز الصحابة ـ للحافظ ابن حجر على بن أحمد العسقلاني (ـ 852هـ) ـ نشر المكتبة التجارية ـ طبع مصطفى محمد القاهرة .

·    الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع ـ للقاضي عياض بن موسى التحجي (ـ 544هـ) ـ تحقيق السيد أحمد صقر ـ دار التراث ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى (1970م).

·    الأنوار الكاشفة لما في كتاب أضواء على السنة من الزلل والتضليل والمجازفة ـ لعبدالرحمن بن يحيى المعلمي اليماني ـ عالم الكتب ـ 1983م.

·        الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ـ لأحمد محمد شاكر (ـ 1377هـ) ـ دار التراث ـ الطبعة الثالثة 1979م.

·    التبصرة والتذكرة في شرح ألفية العراقي ـ للحافظ زين الدين عبدالرحيم العراقي (ـ 806هـ) ـ تصحيح وتعليق محمد بن الحسين الحسيني ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت.

·    تحذير الخواص عن أحاديث القصاص ـ للحافظ جلال الدين عبدالرحمن السيوطي (ـ911هـ) ـ تحقيق محمد الصباغ ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت .

·    تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي ـ لخاتمة الحفاظ جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي (ـ 911هـ) ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ الطبعة الثانية 1979م.

·        تذكرة الحفاظ ـ للحافظ محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ـ 748هـ) ـ تصوير داء إحياء التراث العربي .

·    التصحيف وأثره في الحديث والفقه ـ وجهود المحدثين في مكافحته ـ إعداد أسطيري جمال ـ دار طيبة ـ الرياض ـ الطبعة الأولى ـ 1995م.

·    التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح ـ للحافظ زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ـ 806هـ) ـ حققه عبدالرحمن محمد عثمان (1400هـ).

·        توجيه النظر إلى أصول الأثر ـ لطاهر بن صالح بن أحمد الجزائري الدمشقي ـ دار المعرفة .

·    توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الانتظار ـ للعلامة المتقن محمد بن إسماعيل الأمير الحسني الصنعاني ـ (ـ 1182هـ) ـ دار إحياء التراث العربي ـ الطبعة الأولى 1366هـ.

·        تيسير مصطلح الحديث ـ د. محمود الطحان ـ مكتبة المعارف ـ الرياض ـ الطبعة السابعة .

·        جامع بيان العلم وفضله ـ لابن عبدالبر أبو عمر يوسف بن عبدالله (ـ 463هـ) ـ المكتبة العلمية .

·        الجامع الصحيح ـ لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي (ـ 279هـ) دـ تحقيق أحمد محمد شاكر ـ دار إحياء التراث العربي .

·    الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ـ للحافظ الخطيب البغدادي (ـ 463هـ) ـ تحقيق الدكتور محمود الطحان ـ مكتبة المعارف ـ الرياض 1983م.

·    جامع الأصول من أحاديث الرسول ـ للإمام أبي السعادات مبارك بن محمد بن الأثير الجزري (ـ 606هـ) ـ تحقيق محمد حامد الفقي ـ دار إحياء التراث العربي ـ الطبعة الثالثة 1983م.

·    الجرح والتعديل ـ للإمام الحافظ أبي محمد عبدالرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس بن المنذر التيمي الحنظلي الرازي (ـ 327هـ) ـ دائرة المعارف العثمانية ـ الطبعة الأولى .

·        الحديث والمحدثون ـ لمحمد أبو زهر ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1984م.

·        الحديث النبوي (مصطلحه ـ بلاغته ـ كتبة) ـ لمحمد الصباغ ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الرابعة 1981م.

·    الخلاصة في أصول الحديث ـ للحسين بن عبدالله الطيبي (ـ 743هـ) ـ تحقيق صبحي السامرائي ـ عالم الكتب ـ الطبعة الأولى (1985م) .

·    الرسالة ـ محمد بن إدريس الشافعي ـ (ـ 204هـ) ـ تحقيق أحمد محمد شاكر ـ مطبعة مصطفى البابي الحلبي ـ الطبعة الأولى 1940م.

·        سلسلة الأحاديث الصحيحة ـ لمحمد ناصر الدين الألباني ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الثالثة 1979م.

·        سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيء في الأمة ـ لمحمد ناصر الدين الألباني ـ مكتبة المعارف ـ الطبعة الأولى (1987م).

·        سنن ابن ماجه ـ للحافظ أبي عبدالله محمد بن يزيد القزويني ابن ماجه (ـ275هـ) ـ بعناية محمد فؤاد عبدالباقي ـ دار الفكر .

·    سنن أبي داود ـ للإمام الحافظ المصنف المتقن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي (ـ 275هـ) ـ بعناية محمد محي الدين عبدالحميد ـ دار التراث العربي .

·    سنن الدارمي ـ للإمام أبو محمد عبدالله بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي ـ بعناية محمد أحمد دهمان ـ دار إحياء السنة النبوية .

·        السنة حجتها ومكانتها في الإسلام ـ د. محمد لقان السلفي ـ مكتبة الإيمان ـ الطبعة الأولى (1989م) .

·        السنة قبل الندوين ـ للدكتور محمد عجاج الخطيب ـ دار الفكر ـ الطبعة الثالثة 1980م.

·    شرح ألفية العراقي التبصرة والتذكرة ـ للحافظ أبي الفضل زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي (ـ 806هـ) ـ تحقيق المحدث أحمد محمد شاكر .

·        شرح ألفية العراقي فتح المغيث ـ حققه الأستاذ محمد ربيع ـ مكتبة السنة ـ الطبعة الثانية 1988م.

·    شرح النخبة نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر ـ للإمام أحمد بن علي بن محمد بن حجر العسقلاني (ـ 852هـ) ـ بعناية نور الدين عتر ـ دار الخير ـ الطبعة الثانية 1993م.

·        صحيح الجامع الصغير وزيادته ـ لمحمد ناصر الدين الألباني ـ بعناية زهير الشاويش ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الثانية 1986م.

·    صحيح مسلم ـ للإمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (ـ 261هـ) ـ دار إحياء الكتب العربية ـ الطبعة الأولى 1995م.

·        الطبقات الكبرى ـ لمحمد بن سعد (ـ 230هـ) ـ دار بيروت ـ 1985م.

·    علوم الحديث ـ للإمام أبو عمر عثمان بن عبدالرحمن الشهرزوري (ـ 643هـ) ـ تحقيق د. نور الدين عتر ـ دار الفكر ـ عمل اليوم والليلة ـ للحافظ أبي بكر أحمد بن محمد الدنيوي المعروف بابن السني (ـ 364هـ) ـ بعناية بشير محمد عيون ـ مكتبة دار البيان ـ دمشق ـ الطبعة الأولى 1987م.

·    فتح الباري شرح صحيح البخاري ـ للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (ـ 852هـ) ـ بعناية محمد فؤاد عبدالباقي ومحب الدين الخطيب ـ دار المعرفة .

·    فتح المغيث شرح ألفية الحديث ـ للحافظ شمس الدين محمد بن عبدالرحمن السخاوي (ـ 902هـ) ـ دار الباز ـ الطبعة الأولى (1983م) .

·        قواعد التحديث من فنون مصطلح الحديث للمحدث محمد جمال الدين القاسمي ـ دار الكتب العلمية ـ الطبعة الأولى 1979م.

·    الكفاية في علم الرواية ـ للإمام الحافظ أبي بكر أحمد علي المعروف بالخطيب البغدادي (ـ 463هـ) ـ مراجعة الأستاذ عبدالحليم ، عبدالرحمن حسن محمود ـ دار الكتب الحديثة .

·        مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ـ للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي (ـ 807هـ) ـ دار الكتاب العربي ـ الطبعة الثالثة 1982م.

·    المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ـ للقاضي الحسن بن عبدالرحمن الرامهرمزي (360هـ) ـ تحقيق الدكتور محمد عجاج الخطيب ـ دار الفكر ـ الطبعة الثالثة 1984م.

·        مستدرك الحاكم ـ للإمام الحافظ أبي عبدالله الحاكم النيسابوري (ـ 405هـ) ـ دار الكتاب العربي .

·        المستصفي في علم الأصول ـ للإمام أبي حامد محمد بن محمد الغزالي ( ـ 505هـ) ـ دار الكتب العلمية ـ الطبعة الثانية 1983م.

·        مسند الإمام أحمد بن حنبل (261هـ) ـ المكتب الإسلامي ـ الطبعة الرابعة (1983م).

·        معالم السنة النبوية ـ للدكتور عبدالرحمن عتر ـ مكتبة المنار ـ الطبعة الأولى 1986م.

·        مسند أبي داود الطيالسي ـ للحافظ سليمان بن دود بن الجارود (ـ 204هـ) ـ طبعة الهند 1321هـ .

·    مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ـ للحافظ شهاب الدين أحمد بن أبي بكر الكناني البوصيري ـ (ـ 840هـ) ـ دراسة وتقديم كمال يوسف الحوت ـ دار الجنان ـ الطبعة الأولى 1986م.

·        المعجم الكبير ـ للحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني (ـ 360هـ) ـ حققه وخرج أحاديث حمدي عبدالمجيد السلفي .

·        معرفة السنن والآثار ـ للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (ـ 275هـ) ـ دائرة المعارف العثمانية 1350هـ.

·    المقنع في علوم الحديث ـ للحافظ سراج الدين عمر بن علي الأنصاري المشهور لابن الملقن (ـ 804هـ) ـ تحقيق عبدالله بن يوسف الجديع ـ دار فواز للنشر ـ السعودية.

·        المنهج الإسلامي في الجرح والتعديل ـ د. فاروق حمادة ـ مكتبة المعارف ـ الرباط ـ الطبعة الأولى 1982م.

·        منهج النقد في علوم الحديث ـ للدكتور نور الدين عتر ـ دار الفكر ـ الطبعة الثالثة 1981م.

·    الموضوعات ـ للعلامة أبي الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي القرشي (ـ 597هـ) ـ بعناية عبدالرحمن محمد عثمان ـ المكتبة السلفية ـ الطبعة الأولى 1996م.

·        ميزان الاعتدال في نقد الرجال ـ لأبي عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (ـ 738هـ) ـ تحقيق علي محمد البجاوي ـ دار المعرفة .

·        هدى الساري مقدمة فتح الباري ـ لابن حجر العسقلاني (ـ 852هـ) ـ تصحيح محب الدين الخطيب ـ الطبعة السلفية .

 

 

 

 

ما هى المواضيع التى يجب ان نركز عليها الفترة القادمة؟
الاخلاق وأصلاح النفوس
البنية الاساسية للمجتمع وهو الفرد المسلم
دراسة خطط التطور للدول المتقدمة ومحولة تتطبقها
كل ما سبق
    النتيجة