د. سيد نوح وأسماء الله الحسنى.. منهجية التميز

بقلم – وصفي أبو زيد

 

لأسماء الله الحسنى شروح كثيرة قديما وحديثا، ولا يخفى ما لها عند العيش معها والتأمل فيها من رصيد إيماني على القلب، وأثر تربوي في النفس، فإنها تسد فراغا لا يسده شيء آخر.

وفي مسجد الوزان بدولة الكويت قدم الداعية الكبير الشيخ الدكتور سيد نوح بنبراته الباكية، وروحه الشفافة، ونفسه الصافية، وإشراقاته الروحية، مجموعة من الخطب كانت تدور حول أسماء الله الحسنى، سلط خلالها الضوء على أكثر من عشرين اسما نشر موقع إسلام أونلاين كثيرا منها؛ حيث تناولها بمنهجية متفردة تستحق أن نلقي الضوء على معالمها، ونبين منهجه في تناولها، وأهمية ذلك التناول.

وقد كان أستاذ الحديث وعلومه يتناول كل اسم بمنهجية محددة وعناصر واضحة يلقيها على مسامع الجمهور أولا حتى يكون لديه تصور واضح عن الاسم؛ فيظل بعقله حاضرا وبقلبه متعلقا تجاه ما يقوله الشيخ، وكانت الأسس أو العناصر التي يتناول من خلالها الاسم على النحو التالي:

أولا: سرد قصة مدخلا للاسم:

في بداية حديثه عن كل اسم كان يبدأ خطبته بقصة كمدخل لهذا التناول، يحكي القصة التي غالبا ما تكون من السيرة، والتي تعبر دائما عن حقيقة الاسم وتتمثل معانيه وحقائقه أمام المستمع ثم يلتقط الشيخ أبرز ما يدل في القصة على الاسم موضع الحديث ليدخل مباشرة إلى الحديث عنه.

ومن ذلك حينما تناول اسم الله “المجيب” ذكر كيف أغلقت أبواب مكة في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- وذهب للطائف وحدث معه ما حدث ثم لجأ إلى الله تعالى بدعائه الشهير: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي….”. ونزل ملك الجبال استجابة لدعاء النبي، ثم يتساءل الشيخ: من الذي أجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم؟ ويجيب: إنه الله “المجيب”، حديثنا اليوم عن اسم الله المجيب.

وحين تناول اسم الله “الفتاح” ذكر الرؤية التي رآها النبي -صلى الله عليه وسلم- والتي ذكرها الله في سورة الفتح، وهمَّ النبي ومن معه بدخول مكة ومنعته قريش، وألهمه الله مع قريش سياسة الملاينة والمهادنة بشروطها المعروفة، وفي طريقهم وهم قافلون ولم يؤدوا العمرة، حيث سارت الأمور حتى انتهت بعودة النبي إلى مكة، وفتحها في السنة الثامنة للهجرة، ثم يتساءل الشيخ: من الذي صنع ذلك؟ ويجيب: إن لنا إلها اسمه الفتاح، حديثنا اليوم عن اسم الله الفتاح.

وهكذا مع كل اسم يقص قصة ثم يلتقط موضع الشاهد فيها وينطلق في حديثه حول الاسم، وفي الواقع أن هذه القصة في بداية الحديث لها فوائد مهمة، منها:

– أن القصة لها وقعها على المستمع، فهي تشد انتباهه وتجعل عقله وقلبه متعلقَيْن مع الشيخ، وهذا منهج قرآني تربوي معروف.

– أن القصة التي يقدم بها الشيخ الموضوع بحكم صلتها بما يتناوله تهيئ المستمع للموضوع، وتعينه كثيرا على متابعته من البدء إلى الختام.

– أن القصة حينما تُحكى وفيها الشاهد المطلوب يقع معنى الاسم في عقل المتلقي، ويستوعب قلبه كثيرا من حقائق ومعاني وآثار الاسم، وهي طريقة جيدة تجمع بين إقناع العقل وإمتاع القلب.

ثانيا: تعريف الاسم في اللغة والاصطلاح:

بعد القصة يشرع الشيخ في تناول الاسم بدءا من تعريفه لغة واصطلاحا، وانتهاء بـ “واجبنا نحو الاسم”، كما سيأتي.

وفي التعريف اللغوي يستقصي الشيخ من معاجم اللغة ما تدور حوله مادة الاسم، ففي تناوله لاسم الله الجبار مثلا يقول: إن معانيه في كتب اللغة تدور حول معنيين؛ الأول بمعنى المصلح أو المداوي سواء كان عن اختيار أو غير اختيار، والمعنى الثاني بمعنى القهار، فهو يقهر من يريد أن يخرج على سلطانه ويعيث في الأرض فسادا.

وعند حديثه عن اسم الله الكاشف قال: كتب اللغة تقول إن مادة الكاشف هي كشف، ومعناها الإظهار لما كان مغطى.

وعن معنى اسم الله الباسط يقول: المادة بسط، ومعناها في اللغة: السعة، وسميت الأرض بساطا لسعتها، ولذلك فمن أسماء الله الواسع، فهو واسع في ملكه وواسع في عطائه وواسع في تشريعه، والمعنى الثاني للباسط: الجواد الكريم الذي يعطي بلا انقطاع، جودا لا ينشأ عن تكرار ولا عن قهر، والمعنى الثالث: ذو الصولة والسلطان القادر على الانتقام.

وهكذا يمضي الشيخ في هذا العنصر مع كل اسم من الأسماء مدللا على كل معنى من هذه المعاني بآية أو حديث أو أثر من الآثار، ثم يستخلص المعنى الاصطلاحي من بطون هذه المعاني اللغوية، ويبين الشيخ هنا الفوارق بين هذه الصفات والمعاني عند الله وعند البشر.

ثالثا: صور تحقق الاسم في حياة الناس:

ومن العناصر المهمة في تناول الشيخ للأسماء الحسنى أنه يبين صور تحققه ووجوده في حياة الناس، ومن ذلك حين تحدث عن اسم الله الخافض، قال: إن صور الخفض عدة؛ أولها الخفض العام، وهو ما قال الله عنه: “لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين”. (التين: 4-5) وهو خفض لكل العصاة والمذنبين، والصورة الثانية: الخفض الخاص، وقد يكون لمصلحة كما حدث مع آدم عليه السلام، وقد ترى رجلا مؤمنا أو حاكما ما يخفضه الله تعالى لمصلحة أيضا فربما تحول إلى طاغية كما حدث مع فرعون، وخفض خاص آخر، وهو الطرد من رحمة الله مثلما حدث مع بلعام بن باعوراء، ومثل إبليس، وخفض خاص آخر بمعنى الذلة والمسكنة كما حدث مع بني إسرائيل.

ومن ذلك أيضا حين تحدث عن اسم الله الكاشف، قال من صور الكشف: أنه كشف لنا عن نفسه وعن رسالتنا وحقيقة أنفسنا وكيف نؤدي الرسالة، ولو لم يحدث ذلك لعشنا في تخبط وعماية. الصورة الثانية: كشف حجاب الغفلة عن القلب، سواء كانت غفلة بسيطة أو غفلة مركبة. والصورة الثالثة: كشف الضر والمرض، وهو ما حدث مع أيوب عليه السلام. والصورة الرابعة: كشف المؤامرات، مؤامرات أهل الباطل يكشفها الله لأهل الحق، وهو ما حدث مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مواضع كثيرة من السيرة النبوية تناولها الشيخ. والصورة الخامسة: كشف كل محنة ومصيبة تنزل بالإنسان، وذلك حين يلجأ المسلم إلى ربه في صدق وإخلاص: “قُلْ أَرَأَيْتَكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ”. الأنعام: 40-41.

وفي حديثه عن اسم الله الودود يذكر من صور الود: وده تعالى للضعفاء وأصحاب الحاجات واليتامى وكبار السن، ويورد الحديث القدسي: “عبدي مرضت فلم تعدني…”، فهو يرعى هؤلاء ويقضي حوائجهم على يد خلقه الصالحين. والصورة الثانية: وده تعالى للطائعين، بنفسه أو بملائكته، أو بهما معا، حتى يزيدوا في طاعاتهم ليرفعهم الله تعالى بطاعاتهم درجات. والصورة الثالثة: وده تعالى للعصاة، فلا يقطع نعمته عنهم حتى لو عصَوْه، وقد قال الله تعالى لآدم وذريته كلها: “إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَى * وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تَضْحَى”. (طه: 118-119). ويعفو عن كثير من ذنوبهم وأخطائهم، والصورة الرابعة: وده سبحانه وتعالى للمؤمنين في الجنة، فيزور بعضهم بعضا فيها، وينزع الله من صدورهم الأحقاد، ويتجلى عليهم فيرونه كما يرون القمر ليلة البدر: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا”. (مريم: 96). وفي الحديث المتفق عليه: “إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ في
قول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا”.

ويفصل الشيخ في ذلك بالأدلة والقصص والأمثال حتى يتضح الأمر وضوحا تاما يكشف عما في الاسم من معان وصور يستطيع المسلم أن يدركها في حياته، ومن ثم يدرك قدر الله الذي يمضيه فيه.

رابعا: آثار الاسم على الفرد والجماعة:

ومن المعالم بالغة الأهمية في تناول الشيخ وطرحه للأسماء الحسنى أنه يبين آثار الاسم على الفرد والمجتمع، وهو أمر فريد لا نكاد نجده عند كثير ممن شرحوا الأسماء الحسنى.

فعند حديثه عن اسم الله الكاشف قال: إنه لولا أن عرَّفنا به سبحانه، وعرفنا بأنفسنا وبحقيقتنا ورسالتنا لعشنا في عماية عمياء لكنه نقلنا بذلك من البهيمية إلى الآدمية، ولولا أنه يقف بجوار المسلمين ويكشف لهم مؤامرات أعدائهم لما استطاعوا أن يبلغوا رسالتهم ويستمروا في هذه الحياة.

وعند حديثه عن اسم الله الودود قال: لو قطع الودود وده وعطفه ورعايته لما كان لنا شأن ولا بقاء في هذا الوجود، وهذا يكفي.

وعن اسم الله الجبار ذكر من آثاره أنه يُحدث توازنا في الكون، فلو كان الأمر متروكا للجبارين والظالمين لمات المقهورون والضعفاء كمدا وحسرة، لكن الجبار موجود يلجأ إليه الضعفاء فينصرهم على الجبارين في الدنيا، ويتفضل عليهم بالمغفرة في الآخرة، وينتقم من الظالمين هنالك.

ولا يخفى ما في إظهار هذه الآثار على نفسية الفرد؛ حيث يستشعر الرَّوْح والراحة والسكينة والطمأنينة، ويمضي في الحياة قُدُمًا واثقا ثابتا لا يلوي على شيء.

خامسا: واجبنا نحو الاسم:

وحتى لا يذهب الكلام سدى يضع الشيخ الجليل أمورا عملية وواجبات يتمثلها المسلم بعد خروجه من الصلاة كي لا يسمع الكلام ثم ينساه بمجرد خروجه من المسجد، ومن ذلك أنه حين تحدث عن اسم الله الفتاح قال: من واجبنا نحو هذا الاسم أن نكون مفاتيح خير لا مفاتيح شر، فنحرص على فتح أبواب الخير، وإن لم نستطع بأنفسنا فندعو غيرنا لفتحها، وأن نأخذ بالأسباب، وأن ندعو الله تعالى: يا فتاح افتح علينا وافتح لنا وافتح بنا، فإننا حين ندعوه بذلك لن يتخلى عنا أبدا مهما كانت الأحوال.

وعن واجبنا نحو اسم الله الخافض قال: أن نستحضر معنى الخافض ونحاسب أنفسنا على ميزان الخفض والرفع، سواء كان الرفع أو الخفض مكانا أم مكانة. وأن ندعوه بهذا الاسم، يا خافض: اخفض الظالمين والجبارين، اخفض الذين ينتقمون من عباد الله ويتهمونهم زورا وبهتانا بما لا دليل عليه ولا برهان، أذل هؤلاء، أنزل هؤلاء من عليائهم وكبريائهم، أرنا فيهم آية، أرنا فيهم يوما أسود. وأن نحمد الله تعالى على كل حال سواء كنا مرفوعين أو مخفوضين مكانا، فالمهم أن نكون مرفوعين مكانة عند الله، وأن نتحلى بمبدأ الخفض والرفع بمعنى أن نتبنى ميزان الله في الخفض والرفع، وهو: “إن أكرمكم عند الله أتقاكم”، فنرفع من يستحق الرفع، ونخفض من يستحق الخفض.

وعن واجبنا نحو اسم الله الكاشف قال: علينا أن نأخذ بالأسباب، وأن نكون مستيقظين لئلا يضلنا الشيطان لأنه يتربص بنا كل لحظة، وندعو الله أن يكشف عن قلوبنا الغفلة، وأن نتحلى بهذا الاسم فنكشف المؤامرات ونرفع الضرر عن الناس قدر ما نستطيع.

وعند حديثه عن اسم الله الودود قال: من واجبنا نحوه أن نكثر من ذكر الله بهذا الاسم، وندعوه به حتى يعطينا ملكة الود والتراحم فيما بيننا، فيتمنى كل منا للآخر الخير، فالقويُّ يكون بجوار الضعفاء، وكل من قُضيت حاجاته يكون دائما بجوار أصحاب الحاجات ليكرمه الله بنصيبه من هذا الاسم الودود.

على هذا النحو يسير داعيتنا الكبير في تناول أسماء الله الحسنى، ولا يعدم المستمع إسقاطات على واقعنا المحلي على مستوى مجتمع من المجتمعات، أو دعوة من الدعوات، وكذلك واقعنا العالمي على مستوى الأمة، وهذا يعطي ثراء في العرض، وحيوية في شرح الاسم، ومزيدا من الانتباه والتشويق للمتلقي، وهو منهج جدير بالدعاة والخطباء أن يحذوا حذوه وينسجوا على منواله.